القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٥٣ - فصل في علاماته المشتركة
بسرسام، وكأنه من المنذرات القوية، ويتقدّم قرانيطس نسيان للشيء القريب، وحرن بلا علّة وأحلام رديئة وصداع كثير وثقل وامتلاء، ويتقدمه في الأكثر صفار الوجه، وسهر طويل ونوم مضطرب. وتشتدّ هذه الأعراض ما دامت المواد تتوجه إلى الدماغ، وتدور في عروقه، وتترقرق. وإذا قربوا منه وتشرب الدماغ المادة، وجدوا ابتداء وجع من خلف الرأس عند القفا، وخصوصاً في الصفراوي. وإذا وقعوا فيها وورم الدماغ، تيبّست أولًا أعينهم يبساً شديداً، ثم أخذت تدمع، وخصوصاً من إحدى العينين ورمصت، وكثيراً ما يعرض أن تحمر عروقها حمرة شديدة، وربما عقبه قطرات دم من الأنف، وكثيراً ما يدلكون أعينهم، ومالوا إلى سكون وهدوّ في أكثر البدن، إلا في اليدين، فإنه ربما يعبث بهما ويلقط التبن والزئبر. وقد يكون ذلك في الأكثر مع تغميض وقد يكون مع تحديق وضجر، وربما كسلوا عن الكلام الفصيح لا يزيدون على تحريك اللسان، وربما حدث بهم تقطير بول بمعرفة منهم أو بغير معرفة. وهو في الحميات من الدلالات القوية على السرسام الحاضر، ويغفلون عن الآلام إن كانت بهم في أعضائهم، بل لو مس شيء من أعضائهم الألمة بعنف لم يشعروا به. ونزيد فنقول: إذا وقع الورم في الجانب المقدم أفسد التخيل، فأخذوا يلقطون الزئبر من الثياب والتبن وما أشبهه من الحيطان، وتخيلوا أشباحاً لا وجود لها.
وإن كان إلى الوسط أفسد الفكر فخلط فيما يعلمه، ويلفظ الهذيان الكثير، وإذا وقع إلى ما يلي خلف نسي ما يراه ويفعله في الحال، حتى أنه ربما دعا بالشيء فيقدم إليه فلا يذكر أنه طلبه، وربما دعا بالطشت ليبول فيه فيقدّم إليه فينساه، وإن اشتمل الورم على الجهات كلها ظهرت هذه العلامات كلها، وإن تورّم معه الدماغ إحمرّ الوجه والعين وجحظت العينان جحوظاً شديداً، أو احمرتا إن كانت المادة المورمة دماً، واصفرتا إن كانت المادة المورمة صفراء صرفاً. وأما الكائن من الاختلاط بالمشاركة، فيدلّ عليه وقوعها دفعة، وتابعاً لسوء حال عضو آخر، ونائباً مع نوائب اشتداد ينقص لنقصان في حال غيره، وتزيد بزيادتها.
والكائن عن السرسام الدماغي يحدث قليلًا قليلًا، ويلزم.
وعلامات السرسام الحقيقي تتقدّم، ثم يعرض المرض، وأما الغير الحقيقي، فتتقدّمه أمراض أعضاء أخرى، ثم تظهر علاماته.
وأما الكائن من جهة الحجاب الحاجز، وعضلات الصدر، فتتقدّمه علامات السرسام، وذات الجنب من وجع ناخس في الجنب عند التنفّس، وضيق نفس ونبض منشاري وسعال يابس، أولًا، ثم يرطب في الأكثر وينفث، ويكون مع حمّى لازمة، أكثر حرارتها في نواحي الصدر، وفي الحقيقي في نواحي الرأس، ويكثر فيه تمدد الشراسيف إلى فوق، ويختصّ به حسّ وجع فوق الجمجمة غير شامل، ولا تكون العلامات المذكورة فيما سلف قوية كثيرة، ونفسه يكون مختلفاً يضعف مرة فيتواتر ويعظم أخرى، ويكون ميله إلى الصغر والضعف أكثر، ويكون