القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٢٧ - فصل في تفصيل أصناف الصداع الكائن من سوء المزاج
يعرض لبعض دون بعض، فيعرض لمن حسّ دماغه قوي، ولا يعرض لمن حس دماغه ضعيف، وبالجملة فإن من هو قوي حسّ الدماغ ممنوّ بالتصدع من كل سبب مصدع، وإن ضعف.
وبالجملة فإن الدماغ يكون سريع القبول للمصدعات: إما لضعفه: وقد عرف في الكليات أن الضعف تابع لسوء مزاج. وإما لقوة حسه فيتأذى عن كل سبب، وإن خفّ، وأيضاً فإن من الصداع، ما لا أعراض له ومنه ما يؤدي إلى أعراض تختفي بنواحي الرأس: مثل أن يحدث أعني الصداع لشدة الوجع أوراماً في نواحي الرأس، ومنه ما يؤدي إلى أعراض تتعدى إلى أعضاء أخرى، مثل أن يتأدى أفاه وأضراره، أو إيلامه إلى أصول الأعصاب، فيحدث التشنّج أو يتعدّى شيء من ذلك إلى المعدة، فيحدث سقوط الشهوة، والفواق، والغثيان، وضعف الهضم، ونحو ذلك.
واعلم أن الصداع المزمن إما أن يكون لبلغم، أو لسوداء، أو ضعف رأس، أو ورم صلب مبتدا، أو حار قد صلب وهو الكثير والصادع، وجميع الأمراض قد تختلف، فربما كان المرض مسلماً، والمسلم هو الذي لا مانع من تدبيره بما يجب له في نفسه، ومنه ما ليس بمسلم بل هو ذو قرينة، وربما منعت عن تدبيره بالواجب مثل أن يكون صداع ونزلة، فتعارض النزلة الصداع في واجبه من التدبير.
والصداع أيضاً قد ينقسم باعتبار آخر فإن من الصداع ما يعرض. أحياناً للصحيح، لا قلبة به، ومنه ما إنما قد يعرض لذي أورام وأوصاب، ومن الأبدان أبدان مستعدة للصداع وهي: الأبدان الضعيفة الرؤوس، الضعيفة الأعضاء الهاضمة، فتتولّد فيها بخارات وتنصب إلى معدهم أخلاط مرارية، فتصدع. وأيضاً فإن من التناولات أشياء مصدّعة، قد ذكرت في جداول الأدوية المفردة، وجميع الأفاويه مصدّعة، خصوصاً السليخة، والقسط، الزعفران، والدارصيني، والحماما. وجميع المبخرات مصدّعة حارة كانت أو باردة، لكنها إذا تعاقبت تدافعت، أعني إذا كان قد تقدّم ما آذى بحرارة بخاره، وعقبه ما يبخر بخاراً بارداً أو بالعكس. وأما إذا كان الأذى ليس بالكيفية وحدها، بل وبالكميّة فلا ينفع تعاقبها، بل يضر وقد يكثر الصداع البارد للاحتقان في الشتاء، وإذا كان الصيف شمالياً قليل المطر، وكان الخريف جنوبياً مطيراً، كثر الصداع في الشتاء، وكثيراً ما يكون الصداع بسبب تأدية الريان البخارات الخبيثة إلى الرأس.
فصل في تفصيل أصناف الصداع الكائن من سوء المزاج
فلنأت بكلام يفصل كل واحد من هذه الجمل، وهذا هو التفصيل الأول فنقول: أما الجملة المزاجية، فإن المزاج الحار والمزاج البارد، والمزاج اليابس والرطب، قد يحدث عنها الآلام على نحو ما علمنا في الأصول الكلية، وإن كان الحال في المزاج اليابس، ما علمت من أنه قليل التأثير للألم، والمزاج الرطب بما هو رطب فليس يؤلم، إلا أن يكون هناك مادة رطبة مؤلمة من جهة تبخير أو إحداث ريح، يفعل تفرّق الاتصال والحار اليابس، والبارد اليابس،