القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٠٥ - فصل في الاستدلالات المأخوذة من الأفعال النفسانية الحسّية والسياسية والحركية والأحلام من جملة السياسية
فصل في الاستدلال الكلي من أفعال الدماغ
أما الدلالة المأخوذة من جنس الأفعال، فإن الأفعال إذا كانت سليمة أعانت في الدلالة على سلامة الدماغ، وإن كانت مؤفة دلت على آفة فيها، وآفات الأفعال كما أوضحنا ثلاث هي: الضعف والتغير والتشوش ثم البطلان. والقول الكلي في الاستدلال من الأفعال، أن نقصانها وبطلانها يكون للبرد ولغلظ الروح من الرطوبة والسدّة، ولا يكون من الحر إلا أن يعظم فيبلغ أن تسقط القوة وأما التشوش، أو ما يناسب الحركة فقد يكون من الحرّ وقد يكون من اليبس.
فصل في الاستدلالات المأخوذة من الأفعال النفسانية الحسّية والسياسية والحركية والأحلام من جملة السياسية
فنقول هذه الأفعال قد تدخلها الآفة على ما عرف من بطلان، أو ضعف أو تشوّش مثال ذلك: إما في الحواس فلنبدأ بالبصر: فإن البصر تدخله الآفة، إما بأن يبطل، وإما بأن يضعف، وإما بأن يتشوّش فعله ويتغيّر عن مجراه الطبيعي، فيتخيّل ما ليس له وجود من رج مثل الخيالات والبقّ والشعل والدخان. وغير ذلك فإن هذه الآفات إذا لم تكن خاصة بالعين، استدل منها على آفة في الدماغ. وقد تدل الخيالات بألوانها، ولقائل أن يقول إن الخيال الأبيض كيف يدلّ منها على البلغم الغالب وهو بارد، وأنتم نسبتم التشوش إلى الحرّ، فنقول ذلك بحسب المزاج لا بحسب اعتراض المواد للقوة الصحية الكاملة الحرارة الغريزية.
وأما في السمع فمثل أن يضعف فلا يسمع إلا القريب الجهير أو يتشوّش فيسمع ما ليس له وجود من خارج، مثل الدوي الشبيه بخرير الماء، أو بضرب المطارق، أو بصوت الطبول، أو بكشكشة أوراق الشجر أو حفيف الرياح أو غير ذلك. فيستدلّ بذلك إمّا على مزاج يابس حاضر في ناحية الوسط من الدماغ أو على رياح وأبخرة محتبسة فيه، أو صاعدة إليه وغير ذلك مما يدل عليه. وإما أن يبطل أصلًا والضعف والبطلان لكثرة البرد والذي يسمع كأنه يسمع من بعيد، فلرطوبة.
وأما في الشم فبأن يعدم أو يضعف أو يتشوش فيحس بروائح ليس لها وجود من خارج منتنة أو غير منتنة فيدلّ في الأكثر على خلط محتبس في مقدم الدماغ، يفعله إن لم يكن شيئاً خاصاً بالخيشوم.
وأما الذوق واللمس فقد يجريان هذا المجرى إلا أن تغيرهما عن المجرى الطبيعي في الأكثر يدل على فساد خاص في الإنهاء القريبة، وفي الأقل على مشاركة من الدماغ خصوصاً