القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٥٥ - فصل في العلاج لأصنافه
فصل في العلاج لأصنافه
أما المشترك لأصنافه الحقيقية، فالفصد من القيفال، وإخراج دم صالح، بل كثير جداً وتبادر إلى ذلك كما تبتدئ الأخلاط إن لم يمنع من ذلك مانع قوي، ويجب أن يكون فصده مع احتياط في تعرّف حاله من الغشي، هل وقع فيه أو قرب منه، ويحبس الدم عند القرب من الغشي، ويحتال في معرفة ذلك، فإنه لا يظهر فيهم حال الإفاقة من حال الغشي ظهوراً كثيراً، ولكن النبض قد يدل عليه، فإنه إذا ارتعش، أو انخفض، واختلف بلا نظام حتى تجد واحدة عظيمة، وأخرى صغيرة دل على قرب الغشي. ويجب أن يحتاط في عصب العصابة عليه حتى يكون موثقاً لا تحله حركاته واضطراباته التي لا عقل له معها، فربما حله وأرسله بنفسه بخيال فاسد يستدعيه إليه، ثم بعد ذلك يفصد عرق الجبهة إن كانت القوة قوية، وأوجبته الحال وقوة المرض، وأما إن لم تساعد القوة والأحوال على فصده الكلي من يده، أو لم يُمَكَنْكَ من يده، وأحوجه ما يراود عليه من ذلك إلى قلق وضجر شديد، فافصده من الجبهة، واجعل على رأسه في الابتداء دهن الورد مع الخل مبرداً، وسائر ما عددنا لك من العصارات المبرّدة، وينتفع الصفراوي بتضميد رأسه بورق العلّيق جداً، وأسكنه بيتاً معتدل الهواء ساذجاً لا تزاويق ولا تصاوير فيه، فإن خيالاته تولع بها بتأملها وذلك مما يؤذي دماغه وحجب دماغه. ويجب أن يكون في مسكنه وبالقرب منه من المشمومات الباردة، مثل النيلوفر والبنفسج والورد والكافور والتي عددناها لك في القانون. وأصْحِبْة أصدقاءه الظرفاء المَحبوبين إليه المشفقين عليه، ومن يستحي منه، فيكف بسببه عن تخليطه واضطرابه الضارين، واجتهد في تنويمه، ولو بتقريب شيء من الأفيون من جبينه وأنفه، إن كانت القوة قوية، وإلا فإياك، وذلك فإنه مهلك، بل استعمل مثل شراب الخشخاش، وضمّد رأسه بالخس، واسقه بزر الخشخاش في ماء الشعير. على أن الأصوب أن يدافع بالفصد إن احتمله الوقت ولم يكن في تأخيره خطر، تفعل ذلك في الابتداء يومين أو ثلاثة، ثم إذا افتصد لم يبالغ إن أمكن حتى يبقى في البدن دم تقوى به الطبيعة على مصارعة البحرانات، وعلى فقد الغذاء إن أوجبه الوقت، وبعد فصدك إياه، فإن من الصواب أن تحقنه بحقنة ليّنة جداً مثل دهن ورد مع ماء شعير، أو الماء والزيت، وإن احتجت إلى ما هو أقوى من هذا بعد أن يكون في درجة اللّينة فعلت، واجذب المواد إلى أسفل من كل وجه، من دلك اليدين والرجلين وغمزهما، وصبّ الماء الحار عليهما، بل بالعَصْبِ والشدّ المذكورين، بل بتعليق المحاجم عليهما، وخصوصاً في حال هبوط الحمى وقبل اشتدادها، إن كان لها ذلك. وربما وجب في ابتداء العلة أن تلزم المحجمة كاهله، وخذه أولًا بغاية تلطيف الغذاء، حتى يقتصر على السكنجبين السكري، ثم بعد ذلك بيوم أو يومين، فانقله إلى ماء الشعير الرقيق مع السكنجبين، ثم الغليظ، وراع في ذلك القوة والعلّة، وكلما رأيت أعراض العلة أشدّ، فحدّه بتلطيف الغذاء أكثر، إلا أن يخاف سقوط القوة فيغذوا، وجنّبهم الماء الشديد البرد، خاصة إن