القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٨٥ - فصل في القطرب
فصل في القطرب
هو نوع من المالنخوليا، أكثر ما يعرض في شهر شباط، ويجعل الإنسان فرَّاراً من الناس الأحياء، محبّاً لمجاورة الموتى والمقابر، مع سوء قصد لمن يغافصه، ويكون بروز صاحبه ليلًا، واختفاؤه وتواريه نهاراً، كل ذلك حباً للخلوة، وبعداً عن الناس، ومع ذلك فلا يسكن في موضع واحد أكثر من ساعة واحدة، بل لا يزال يتردّد ويمشي مشياً مختلفاً لا يدري أين يتوجه مع حذر من الناس، وربما لم يحذر بعضهم غفلة منه وقلة تفطن لما يرى ويشاهد.
ومع ذلك فإنّه يكون على غاية السكون، والعبوس، والتأسف، والتحزّن، أصفر اللون، جاف اللسان، عطشان، وعلى ساقه، قروح لا تندمل، وسببها فساد مادته السوداوية، وكثرة حركة رجله، وتنزل المواد إليها، ولا سيما هو كل وقت يعثر، ويساك رجله شيء، أو يعضّه كلب، فيكون ذلك سبباً لكثرة انصباب المواد إلى ساقيه، فيكون فيها القروح، ولبقائها على حالها وحال أسبابها لا تندمل، ويكون يابس البصر، لا يدمع بصره، ويكون بصره ضعيفاً وغائراً، كل ذلك ليبس مزاج عينه.
وإنما سمي هذا قطرباً لهرب صاحبه هرباً لا نظام له، ولأجل مشيه المختلف، فلا يعلم وجهه، وكما يهرب من شخص يظهر له، فإنه لقلة تحفظه وغور صواب رأيه يأخذ في وجهه فيلقى شخصاً آخر، فيهرب من الرأس إلى جهة أخرى، والقطرب دويبة تكون على: وجه الماء تتحرك عليه حركات مختلفة بلا نظام، وكل ساعة تغوص وتهرب، ثم تظهر وقيل دويبة أخرى لا تستريح، وقيل: الذكر من السعالي، وقيل: الأمعط. والأشبه لموضعنا القولان الأولان وسبب هذه العلة السوداء والصفراء المحترقة.
المعالجات:
علاجه علاج المالنخوليا بعينه، إذا كان من صفراء أو سوداء محترقة، ويجب أن تبالغ في فصده حتى يخرج منه دم كثير ويقارب الغشي، ويدبّر بالأغذية المحمودة والحمامات الرطبة، ويسقى ماء الجبن ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك يستفرغ بأيارج أركاغانيس، ثم يُحتال في تنويمه، ثم يقوى قلبه بعد الاستفراغ بالترياق وما يجري مجراه، ومع ذلك يرطب جداً وينطل بالمنومات لئلا يجتمع تسخين تلك الأدوية التي لا بدّ منها مع حركات رياضية، بل يحتاج أن يسخن قلبه بما يقويه، ويرطّب بدنه، وينوّم ليعتدل مزاجه. وتمام علاجه التنويم الكثير، وأن يسقى الأفتيمون أحياناً لتهدأ طبيعته، ويقطع فكره، وإذا لم ينجع فيه الدواء والعلاج، أُدِّب وأُوجِعَ، وضُرِبَ رأسه، ووجهه، وكوِيَ يافوخه، فإنه يفيق، فإن عاد أعيد.