القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٣٦ - فصل في علاج الصداع الحار بغير مادة مثل الاحتراق في الشمس وغيره وبمادة صفراوية أو دموية
الحاجة واحتمال القوة، وإن لم يكف الفصد من عروق الساعد، ولم يبلغ به المراد، وبقي الوجع بحاله، وعرّت العروق على جملتها، ورأيت في الرأس والوجه والعين امتلاء واضحاً، فيجب أن تقصد فصد العروق التي يستفرغ فصدها من نفس الدماغ كفصد العروق التي في الأنف من كل جانب، وفصد العروق التي في الجبهة، فإنه عرق يستأصل فصده كثيراً من آلام الرأس. ويجب أن يراعى في ذلك جهة الوجع، فإن كان من الجانب المؤخَّر فصد العروق التي تلي جهة القدام، وإن كان في جانب آخر فصد العرق الذي يقابله في الجهة، وإذا أعوز في الجهة المقابلة عرق اعتمدت الحجامة بدل الفصد. وقد قال الحكيم أركيغايس: إن ذلك إن لم يغن فالواجب أن يحجم على الكاهل، ويسرح منه دم كثير، ويمسح موضع الحجامة بملح مسحوق، ويلزم الموضع صوفاً مغموساً في زيت، ثم يوضع عليه من الغد دواء خراجي، وليس ذلك في هذا بعينه، بل في جميع أنواع الصداع المزمن من مادة خبيثة، أية مادة كانت. وقد ينتفع كثيراً في هذا النوع من الصداع وما يجري مجراه بفصد الصافن، وحجامة الساق، فهذا تدبيرهم من جهة الفصد. وإذا أحس أن هناك شوباً من مادة صفراوية فلا بأس باستفراغها بما يلين الطبيعة، ويزلق المادة مما يذكر في باب الصداع الصفراوي، ويجب أن يدام تليين الطبيعة بالجملة بمثل المرقة النيشوقية، والإجاصية ومرقة العدس والمج، أعني الماش دون جرمهما، وأن يغذي المشتكي بأغذية مبرّدة تولّد دماً بارداً إلى اليبس والغلظ ما هو، يميل إلى القبض مثل السماقية، والرمانية، والعدسيّة بالخل، والطِفشيل، إلا أن يتوقى يبس الطبيعة وأنت في معالجة أمراض الرأس كثير الحاجة إلى اللين من الطبع، وفي مثل هذه الحالة ذلك أن تعدل هذه القوابض بالترنجبين، والشرخشك، وجميع ما يحلي مع تليين، ويجب أن تكون هذه الأغذية حسنة الكيموس، ويقلل من مقدارها ولا يتملأ منها. وإذا استعملت النطولات والمروخات، استعملت منها ما فيه تبريد وليس فيه ترطيب شديد، بل فيه ردع ما وقبض ما مثل ماء الرمان، والعصارات الباردة القابضة من الفواكه، والأوراق والأصول، ولعاب بزر قطونا بالخل وماء عصا الراعي.
وأما علاج الكائن من مادة صفراوية، فإن رأيت معه أدنى حركة للدم، فالعلاج هو أن يستفرغ الدم قليلًا، وإلا جعلت الابتداء من الاستفراغ بمثل الهليلج، إن لم يكن حمى، وإلا فبالمزلقة، والتي ليس فيها خشونة وعصر شديد مثل الشرخشك، وشراب الفواكه، ومياه واللبلاب، وقد يستفرغ بالشاهترج أيضاً، والحقن الليّنة. وإن كانت المواد الصفراوية غليظة، أو كانت متشرّبة في طبقات المعدة، لا تنقذف بالقيء، ولا تنزلق بالمسهّلات المزلقة، احتجت أن تستفرغ بأيارج فيقرا مع سقمونيا على النسخ المذكورة، أو تزيدها وتحملها على المزلقات أو تستفرغ بطبيخ الهليلج على ما تراه في القراباذين، ثم تبدل المزاج بما فيه تبريد وترطيب. أما من البدن، فبالأغذية والأشربة، وأما من الرأس- إن كان السبب فيه وحده- فبالمعالجات المذكورة في القانون، وبكل ما يعالج به سوء المزاج الحار اليابس، وبحسب الأسباب العامية للحرّ