القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٠٦ - فصل في الاستدلالات المأخوذة من الأفعال النفسانية الحسّية والسياسية والحركية والأحلام من جملة السياسية
مثل ما إذا كان عاماً كخدر جميع البدن، وقد تشترك الحواس في نوع من الضعف والقوة، يدل على حالة في الدماغ دائمة وهي الكدورة والصفاء. وليس مع كل ضعف كدورة فقد يكون ضعف مع الصفاء مثل أن يكن الإنسان يبصر الشيء القريب والقليل الشعاع إبصاراً جيّداً صافياً، ويرى الأشياء الصغيرة منها ثم إذا بعدت أو كثر شعاعها، عجز عن إدراكها فإذن الكدورة والصفاء قد يكونان معاً في الضعف والصفاء قد يكون لا محالة مع القوة، لكن الكدورة دائماً تدل على مادة، والصفاء على يبوسة. وهذه الكدورة ربما استحكمت بغتة فكان منها السَدر وهو يدلّ على مادة بخارية في عروق الدماغ والشبَكة والحكم في الاستدلالات عن هذه الآفات أن ما يجري مجرى التشوش، فهو في أكثر الأمر تابع لمزاج حار يابس. وما يجري مجرى النقصان والضعف، فهو في الأكثر تابع لبرد إلا أن يكون مع شدة ظهور فساد وسقوط قوّة، فربما كان مع ذلك من الحرارة ولكن الحرارة ملائمة للقوى بالقياس إلى البرد. فما لم يعظم استضرار المزاج به وفساده، لم يورد في القوى نقصاناً فيجب أن لا يعوّل حينئذ على هذا الدليل، بل تتوقّع الدلائل الأخرى المذكورة لكل مزاج من المزاجين، والبطلان قد يدل على تكّد أسباب النقصان إن كان لسبب دماغي، ولم يكن لسبب آفات في الآلات من فساد وانقطاع وسدّة، وبالجملة زوال عن صلوحها للأداء أو لسبب في العضو الحسّاس نفسه، ومن الأعضاء الحساسة، ما هو شديد القرب من الدماغ فيقلّ أن لا تكون الآفة فيهما مشتركة مثل السمع والشم، فأكثر آفاته التي لا تزول بتنقية وتعديل مزاج يكون من الدماغ. ولذلك ما يكون سائر الحواس إذا تأذت بمحسوساتها دلّت على آفة فيها من حر أو يبس لم يبلغا أن يسقط القوة والسمع ثم الشمّ وفي الأكثر يدل على أن ذلك المزاج في الدماغ.
وأما الأفعال السياسية: فإن قوة الوهم والحدس دالة على قوة مزاج الدماغ بأسره وضعفه دالّ على آفة فيه موقوفة إلى أن يتبين أيّ الأفعال الأخرى اختلّ، فمنها فساد قوة الخيال والتصور وآفتها، فإن هذه القوّة إذا كان قوية، أعانت في الدلالة على صحة مقدم الدماغ وهذه القوة إنما تكون قوية، إذا كان الإنسان قادراً على جودة تحفظ صور المحسوسات مثل الأشكال والنقوش والحلو والمذاقات والأصوات والنغم وغيرها، فإن من الناس من يكون له في هذا الباب قوّة تامة، حتى إن الفاضل من المهندسين ينظر في الشكل المخطوط نظرة واحدة فترتسم في نفسه صورته وحروفه ويقضي المسألة إلى آخرها مستغنياً عن معاودة النظر في الشكل.
وكذلك حال قوم بالقياس إلى النغم وحال قوم بالقياس إلى المذاقات وغير ذلك، وبهذا الباب تتعلّق جودة تعرف النبض، فإنه يحتاج إلى خيال قويّ ترتسم به في النفس قوى الملموسات وهذه القوة إذا عرضت لها الآفة.
أما بطلان الفعل فلا تقوى فيه صورة خيال محسوس بعد زواله عن النسبة التي تكون بينه وبين الحاسة، حتى يحسّ بها وإما ضعف وإما نقصان وإما تغير عن المجرى الطبيعي، بأن يتخيّل