القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢١٢ - فصل في الاستدلال ممّا يحسه الدماغ بلمسه من ثقل الرأس وخفته وحرارته وبرودته وأوجاعه
وقال جالينوس: إنّ صغر الرأس لا يخلو البتة عن دلالة على رداءة هيئة الدماغ، وإن كان كبر الرأس ليس دائم الدلالة على جودة حال الدماغ ما لم يقترن إليه جودة الشكل وغظ العنق وسعة الصدر، فإنها تابعة لعظم الصلب والأضلاع التابعين لعظم النخاع وقوته التابعين لقوّة الدماغ، فإنّ كثرة المادة إذا قارنها قوة من القوّة المصورة كان الرأس على هذه الهيئة.
ومما يؤكد ذلك أن يكون هناك مناسبة لسائر الأعضاء، فإن قارنه ضعف منها كان رديء الشكل ضعيف الرقبة صغير الصلب، أو مؤفّ ما يحيط به.
وينبت عنه على أنّه قد يعرض من زيادة الرأس في العظم، ما ليس بطبيعي مثل الصبيان يعرض لهم انتفاخ الرأس، وتعظمه ما ليس في الطبع بل على سبيل المرض، ويكون السبب فيه كثرة مادة تغلي، وكذلك يعرض أيضاً للكبار في أوجاع الرأس الصعبة وقد يعرض أن يصغر اليافوخ ويلطأ الصدغ عند استعلاء الحمرة على الدماغ، فقد عرفت إذاً دلائل صغر الرأس وكبره.
ومن علامات جودة الدماغ أن لا ينفعل من أبخرة الشراب وما سنصفه معها، وينفعل من تلطيفه وحرارته فيزداد ذهنه.
فصل في الاستدلال من شكل الرأس
أمّا دلائل شكله، فقد عرفناك في باب عظم القحف أن الشكل الطبيعي للرأس ما هو، والرديء منه ما هو، وأن الرداءة للشكل إذا وقعت في جزء من أجزاء الرأس، أضرت لا محالة بخواص أفعال ذلك الجزء من الدماغ كالذي قد قال جالينوس: إن المسفط والمربّع مذموم دائماً والناتئ الطرفين مذموم إلّا أن يكون السبب فيه قوّة من القوة المصورة، أي تكون أفرطت في فعلها، ويدلّ على قوة هذه القوة شكل العنق ومقداره والصدر.
فصل في الاستدلال ممّا يحسه الدماغ بلمسه من ثقل الرأس وخفته وحرارته وبرودته وأوجاعه
وأما الدلائل المأخوذة من ثقل الرأس وخفته فإن ثقل الرأس دائماً يدلّ على مادة فيه لكن المادة الصفراوية تفعل ثقلًا أقل وإحراقاً أشد.
والسوداوية ثقلًا أكثر من ذلك ووسوسة أكثر.
والدموية ثقلًا أشد منهما، وضرباناً ووجعاً في أصول العين لنفوذ الكيموس الحار وحمرة وانتفاخاً في العروق أشدَ.
والبلغم ثقلًا أكثر من الجميع ووجعاً أقل من الدموي والصفراوي ونوماً أكثر من السوداوي وبلادة فكر وكسلًا وقلة نشاط.