القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٦٤ - فصل في الزرقة
فصل في الزرقة
اعلم أن الزرقة تعرض، إما بسبب في الطبقات، وإما بسبب في الرطوبات. والسبب في الرطوبات، أنها إن كانت الجليدية منها كثيرة المقدار، والبيضية صافية وقريبة الوضع إلى خارج ومعتدلة المقدار أو قليلته، كانت العين زرقاء بسببها إن لم يكن من الطبقة منازعة، وإن كانت الرطوبات كَدِرة، أو الجليدية قليلة، والِبيضية كثيرة، أظلم إظلام الماء الغمر، أو كانت الجليدية غائرة، كانت العين كحلاء.
والسبب في الطبقات هو في العتبيّة، فإنها إن كانت سوداء كانت العين بسببها كحلاء، وإن كانت زرقاء صيرت العين زرقاء. والعنبيّة تصير زرقاء، إما لعدم النضج مثل النبات، فإنه أول ما ينبت لا يكون ظاهر الصبغ، بل يكون إلى البيض، ثم أنها مع النضج تخضر، ولهذا السبب تكون عيون الأطفال زرقاً وشهلًا، وهذه زرقة تكون عن رطوبة بالغة.
وإما لتحلّل الرطوبة التي يتبعها الصبغ إذا كانت نضيجة جداً، مثل النبات عندما تتحلّل رطوبته يأخذ يبيضّ، وهذه زرقة عن يبس غالب.
والمرضى تشهل أعينهم، والمشايخ لهذا السبب، لأن المشايخ تكثر فيهم الرطوبة الغريبة، وتتحلّل الغريزية، وإما أن يكون ذلك لون وقع في الخلقة، ليس لأن العنبية صار إليها بعد ما لم يكن، وقد يكون لصفاء الرطوبة التي منها خلقت، وقد يكون لإحدى الآفتين إذا عرضت في أول الخلقة، ويعرف ذلك بجودة البصر ورداءته. فالزرقة منها طبيعية، ومنها عارضة، والشهلة تحدث من اجتماع أسباب الكحل، وأسباب الزرقة.، فيتركب فنها شيء بين الكحل والزرقة وهو الشهلة، وإن كانت الشهلة للنارية على ما ظنه أمبادقلس، لكانت العين الزرقاء مضروُرة لفقدانها النارية التي هي آلة البصر، وبعض الكحل يقصر عن الزرق في الإبصار إذا لم يكن الزرق لا آفة. والسبب فيه أن الكحل الذي يكون بسبب البيضية يمنع نفوذ أشباح الألوان بالبياض لمضادته للأشفاق، ومثل الذي يكون لكدورة الرطوبة، وكذلك إن كان السبب كثرة الرطوبة، فإنها إذا كانت كثيرة أيضاً لم تجب إلى حركة التحديق والخروج إلى قدام إجابة يُعْتَدُّ بها.
وإذا كانت العين زرقاء بسبب قلّة الرطوبة البيضية، كانت أبصر بالليل وفي الظلمة منها بالنهار، لما يعرض من تحريك الضوء للمادة القليلة فتشغلها عن التبيّن، فإن مثل هذه الحركة يعجز عن تبيُّن الأشياء كما يعجز عن تبيُّن ما في الظلمة بعد الضوء. وأما الكحلاء بسبب الرطوبة فيكون بصرها بالليل أقلّ بسبب أن ذلك يحتاج إلى تحديق وتحريك للمادة إلى خارج، والمادة الكثيرة تكون أعصى من القليلة، وأما الكحل بسبب الطبقة، فيجمع البصر أشد.
المعالجات:
قد جرب الاكتحال ببنج مجفف يطبخ في الماء حتى يصير كالعسل ويكتحل به، أو يؤخذ