القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٣٩ - فصل في الرمد والتكدر
الأغذية والأشربة الغليظة، وجميع المبخّرات إلى الرأس، ومن جملتها كل ما له حرافة، مثل الكرّاث، والحندقوقي، وجميع ما يجفّف بإفراط، ومن جملته الملح الكثير، وجميع ما يتولد منه بخار كثير، مثل الكرنب والعدس، وجميع ما ذكر في ألواح الأدوية المفردة ونسب إلى أنه ضارّ بالعين. وليعلم أن كل واحد من كثرة النوم، والسهر شديد المضرّة بالعين، وأوفقه المعتدل من كل واحد منهما. وأما الأشياء التي ينفع استعمالها العين، ويحفظ قوتها، فالأشياء المتخذة من الإثمد، والتوبا مثل أصناف التوتيا المرباة بماء المرزنجوش، وماء الرازيانج. والاكتحال كل وقت بماء الرازيانج عجيب عظيم النفع، وبرود الرمان الحلو عجيب نفعه أيضاً، وأيضاً البرود المتخذ من ماء الرمانين معتصراً بشحمهما، منضجين في التنور مع العسل كما ستقف عليه في موضعه. ومما يجلو العين ويحدها الغوص في الماء الصافي وفتح العين في داخله.
وأما الأمور الضارة بالبصر، فمنها أفعال وحركات، ومنها أغذية، ومنها حال التصرّف في الأغذية فأما الأفعال والحركات فمثل جميع ما يجفف، مثل الجماع الكثير وطول النظر إلى المضيئات، وقراءة الدقيق قراءة بإفراط، فإن التوسّط فيها نافع، وكذلك الأعمال الدقيقة والنوم على الامتلاء في العشاء، بل يجب على من به ضعف في البصر أن يصبر حتى ينهضم، ثم ينام، وكل امتلاء يضره، وكل ما يجفف الطبيعة يضرُّه، وكل ما يعكر الدم من الأشياء المالحة والحريفة وغيرها يضرّه، والسكر يضره، وأما القيء، فينفعه من حيث ينقي المعدة، ويضرّه من حيث يحرك مواد الدماغ، فيدفعها إليه، وإن كان لا بد، فينبغي أن يكون بعد الطعام وبرفق، والاستحمام ضار، والنوم المفرط ضار، والبكاء الكثير وكثرة الفصد، وخصوصاً الحجامة المتوالية ضارة. وأما الأغذية فالمالحة، والحريفة والمبخرة وما يؤذي فم المعدة، والكراث، والبصل، والثوم، والبافرو أكلًا، والزيتون النضيج، والشبث والكرنب، والعدس.
وأما التصرّف في الأغذية، فأن يتناولها بحيث يفسد هضمها ويكثر بخارها جمل ما بين في موضعه، وقد وقفت عليه، وتقف عليه في مقالات هذا الكتاب الثالث.
فصل في الرمد والتكدر
الرمد منه شيء حقيقي، ومنه شيء يشبهه، ويسمى التكدر، والتخثر. والخثر وهو يسخن، ويرطب، يعرض من أسباب خارجة تثيرها وتحمّرها، مثل الشمس، والصداع الإحتراقي، وحُمى يوم الاحتراقية،. والغبار، والدخان، والبرد في الأحيان لتقبيضه، والضربة لتهييجهما، والريح العاصفة بصفقها. وكلّ ذلك إثارة خفيفة تصحب السبب، ولا ترتث بعده ريثاً يعتدّ به، ولو أنه لم يعالج لزال مع زوال السبب في آخر الأمر، ويسمى باليونانية طارطسيس، فإن عاونه سبب بدني أو بادئ معاضد للبادئ الأول، أمكن حينئذ أن يستفحل، وينتقل ورماً ظاهراً حقيقياً انتقال