القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٣٥ - فصل في تشريح العين
الجليدية وبين البيضية ليكون بين اللطيف والكثيف حاجز ما، وليأتيه غذاء من أمامه نافذ إليه من الشبكي والمشيمي، وإنما كان رقيقاً كنسج العنكبوت، لأنه لو كان كثيفاً قائماً في وجه الجليدية، لم يبعد أن يعرض منه لاستحالته أن يحجب الضوء عن الجليدية من طريق البيضيّة، وأما طرف الغشاء الرقيق، فإنه يمتلئ وينتسج عروقاً كالمشيمة، لأنه منفذ الغذاء بالحقيقة، وليس يحتاج إلى أن يكون جميع أجزائه مهيأة للمنفعة الغذائية، بل الجزء المؤخر، ويسمى مشيمياً. وأما ما جاوز ذلك الحدّ إلى قدام، فيثخن صفاقاً إلى الغلظ ما هو، ذا لون أسمانجوني بين البياض والسواد، ليجمع البصر وليعدل الضوء فعل إطباقنا البصر عند الكلال التجاء إلى الظلمة، أو إلى التركيب من الظلمة والضوء، وليحول بين الرطوبات، وبين القرني الشديد الصلابة، ويقف كالمتوسط العدل، وليغذو القرنية بما يتأذى إليه من المشيمية، ولا يتم إحاطته من قدامه لئلا يمنع تأدي الأشباح، بل يخلي قدامه فرجة، وثقبة كما يبقى من العنب عند نزع ثفروقه عنه، وفي تلك الثقبة تقع التأدية، إذا انسدت منع الإبصار، وفي باطن هذه الطبقة العنبية خمل حيث يلاقي الجليدية ليكون أشبه بالمتخلخل اللين، وليقل أذى مماسِّتِهِ.
وأصلب أجزائه مقدمه حيث تلاقي الطبقة القرنية الصلبة، وحيث يتثقب ليكون ما يحيط بالثقبة أصلب، والثقبة مملوءة رطوبة للمنفعة المذكورة، وروحاً يدل عليه ضمور ما يوازي الثقبة عند قرب الموت. أما الحجاب الثاني، فإنه صفيق جداً ليحسن الضبط، ويسمى مؤخره طبقة صلبة وصفيقة، ومقدّمه يحيط بجميع الحدقة وتشف، لئلا تمنع الإبصار، فيكون ذلك في لون القرن المرقق بالنحت والجرد، ويسمى لذلك قرنية.
وأضعف أجزائه ما يلي قدّام، وهي بالحقيقة كالمؤلفة من طبقات رقاق أربعة، كالقشور المتراكبة، إن انقشرت منها واحدة لم تعم الآفة. وقول قوم: إنها ثلاث طبقات، ومنها ما يحاذي الثقبة لأن ذلك الموضع إلى الستر والوقاية أحوج، وأما الثالث فيختلط بعضل حركة الحدقة، ويمتلئ كله لحماً أبيض دسماً، ليليّن العين والجفن، ويمنعها أن تجف، وتسمى جملته الملتحم، فأما العضل المحركة للمقلة، فقد ذكرناها في التشريح، وأما الهدب، فقد خلق لدفع ما يطير إلى العين وينحدر إليها من الرأس، ولتعديل الضوء بسواده، إذ السواد يجمع نور البصر، وجعل مغرسه غشاء يشبه الغضروف، ليحسن انتصابها عليه، فلا يضطجع لضعف المغرس، وليكونا للعضلة الفاتحة للعين مستنداً كالعظم يحسن تحريكه.
وأجزاء الجفن جلد، ثم أحد طاقي العشاء، ثم شحمه، ثم عضله، ثم الطاق الآخر، وهذا هو الأعلى. وأما الأسفل، فينعقد من الأجزاء العضلية، والموضع الذي في شقه خطر هو ما يلي موقه عند مبدأ العضلة.