القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٥٩ - فصل في ليثرغس وهو السرسام البارد وترجمته النسيان
اسمها أخطأ فيها كثير من الأطباء، فلم يعرفوا أن الغرض فيها هو المرض الكائن من ورم بارد، بل حسبوا أن هذه العلة هي نفس النسيان، وعلى أن بعض الأطباء يسمي ليثرغس، كل ورم بارد في الدماغ سوداوياً كان أو بلغمياً، إلا أن كثر المتقدمين يخصّون بهذا الاسم البلغمي، ولك أن تسقي به كليهما. ومادة هذه العلة قريبة من مادة السدر، لكنها أشدّ استحكاماً، وهذه العلة تتولد عن كل ما يولد خلطاً بلغمياً وفيه تبخير، ولذلك كثيراً ما تتولد عن أكل البصل، وتتولّد عن التخمة الكثيرة وكثرة الشرب وكثرة أكل الفواكه.
العلامة:
صداع خفيف وحمى لينة، فإنه لا بد من الحمى في كل ورم عن خلط عفن، وبذلك يفارق السُبات، لكنها تكون لينة لأن المادة بلغمية، وهذه الحمى ربما لم يحس بها، ويكون معها سُبَات ثقيل كلما يفتح صاحبه العين يغمض، ويكون معها نسيان ونَفَس متخلخل بطيء وجداً ضعيف، وكله مع ضيق يسير وبزاق، وكثرة تثاؤب وفتح فم وضمه، وربما بقي فمه بعد التثاؤب ونحوه مفتوحاً لنسيانه أنه يجب أن يضم، أو لكسله عنه، وإن أراده، ويكون به فواق لمشاركة المعدة، وبياض في اللسان، وكسل عن الجواب، وعن حركة الأجفان، واختلاط عقل، ويكون البرازقي الأكثر رطباً، وإن جف جف جفافاً معتدلًا، والبول كبول الحمير.
وربما عرض لهم الارتعاش وعرق الأطراف. وهم بخلاف أصحاب قرانيطس يتصدعون، ويكون النبض عظيماً متفاوتاً بطيئاً زلزلياً متموجاً بنبض ذات الرئة أشبه، لكنه أقلّ عرضاً وطولًا، وأبطأ وأشدّ تفاوتاً وأقل اختلافاً، لأن تأذي القلب به أقل، ويقع في نبضه الواقع في الوسط أكثر، لأن القوة الحيوانية فيه أسلم، والحمى معه أقل لبعده من القلب، وسباته أكثر لأن المادة ههنا في نفس الدماغ، وفي ذات الرئة متصاعدة من ورم الرئة.
وأما إن قيل للسوداوي أنه ليثرغس، فعلامته أن الوجع يكون أشد، ويكون معه ضجر وهذيان، وتكون العين مفتوحة مبهوتة وإذا كان الليثرغس في جوهر الدماغ، كان السبات أشد، وَعسر الحركات أكثر، وبياض اللسان فيه شديداً جداً، والعين إلى الجحوظ وعسر الحركة والوجع إلى الرخاوة. وإن كان في الحجاب، كان الوجع أشد، والحركات أخف، ويقع فيه كثيراً احتباس البول للنسيان ولضعف العضل المبولة. ومن علامات مصير الإنسان إلى ليثرغس كثرة اختلاج رأسه مع كسل وثقل، وإذا اشتدت أعراض ليثرغس، وكثر العرق جداً، فهو قاتل لإسقاط العرق للقوّة، وإذا اتسع النفس وجاد وانحطت الأعراض، فهو إلى السلامة، وخصوصاً إن ظهرت أورام خلف الأذن، فإنَ كثيراً من بحراناته تكون بها.
العلاج: إن لم يعق عائق، فصدت أولًا، ثم استعملت الحقن الحارة، وجذبت المواد إلى أسفل، وقيأته بريشة لطختها خردلًا وعسلًا، وأسكنته بيتاً مضيئاً، ومنعته الاستغراق في السبات ملحاً