القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٤١٤ - فصل في حفظ صحة الأذن
بعد فصد كثير وكذلك في سوء المزاج الحار المصيب. والبرد المزاجي إذا قوي واستحكم كما يكون في المشايخ، يقال أنها لا تنضج إلا بعد أن يبلغوا الغاية في صحة المزاج وحرارته، وأن الدماغ البارد إذا وصل إليه الغذاء في المشايخ، وفي ضعفاء الدماغ، فلم يهضم فيه ما ينفذ إليه لضعفه، فضل ونزل، والكائن من البرد أكثر من الكائن من الحرّ.
وأصحاب المزاج الحار، أشدّ استعداداً لقبول الأسباب الخارجة الفاعلة للزكام من أصحاب الأمزجة الباردة، وأصحاب الأمزجة الحارة في أنفسهم، أكثر أمناً لعروض ذلك لهم من الأسباب البدنية من أصحاب الأمزجة الباردة، فإن الدماغ البارد لا ينضج ما يصل إليه من الغذاء، ولا يتحلّل ما يتصاعد إليه من الأبخرة، بل ينكس وصول الغذاء، وترتكم البخارات نكس الإنبيق لما يتصاعد إليه من القرع، فيدوم عليه النوازل.
والنزلة قد تكون غليظة، وقد تكون رقيقة مائية، وقد تكون حارة مرة، ومالحة، ورديئة الطعم، وقد تكون حارة لذّاعة، وقد تكون باردة. والنزلة الباردة تنضج بالحمى، وأما الحارة فلا تنتفع بالحمّى والنوازل.
والأمراض النزلية تكثر عند هبوب الشمال، وخصوصاً بعد الجنوب، وتكثر أيضاً في الشتاء، وخاصة إذا كان الصيف بعده شمالياً قليل المطر، والخريف جنوبياً مطيراً.
وقد تكثر النوازل أيضاً في البلاد الجنوبية لامتلاء الرؤوس. قال بقراط: أكثر من تصيبه النوازل لا يصيبه الطحال. قال جالينوس: لأن أكثر من به مرض في عضو، فإن أعضاءه الأخرى سليمة.
أقول: عسى ذلك لأن المتهيئ للنوازل أرقّ أخلاطاً، ومن غلظت أخلاطه لم يتهيأ النوازل كثيراً، والصداع إذا وافق النزلة زاد فيها بالجذب.
العلامات علامة النزلة الحادة الحارة إن كانت زكامية، حمرة الوجه، والعينين، ولذع السائل، ورقته، وحرارة ملمسه، وربما عرضت معه حمى، فلا ينتفع بها. وإن كانت حلقية، فحدّه ما ينزل إلى الحلق، وشدة إحراقه ورقته مع التهاب يحسّ به إذا تنخع به، ويدلّ عليه نفث إلى الصفرة والحمرة، وقد يكون هناك سدّة أيضاً، وغنّة، ودغدغة حريفة.
وعلامة النزلة الباردة برد السيلان إن كان في الأنف، ودغدغة في الأنف مع تمدد الجبهة، وشدة السدة والغنة، وربما دلّ عليها غلظ المادة. وإن كانت إلى الحلق فبرد ما يتنخّع به وبياضه والانتفاع بحمّى إن عرضت.
المعالجات