القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٩٥ - فصل في الصَرَع
للطعام غير منهضم، وعلى كل حال كان الصرع بشركة أو بغير شركة، فإنّ مبدأ الصرع القريب، هو الدماغ، أو البطن المقدّم منه، والبطون الأُخر معه، لأن أول آفة يعتد بها تقع في حسّ البصر، والسمع، وفي حركات عضل الوجه والجفن، وإن كان سائر الحواس والأعضاء المتحركة تشترك في الآفة، ولولا المشاركة في الآفة لسائر البطون لما بطل الفهم، ولما تضرروا في التنفس. والصرع في أكثر الأمر يتقدمه التشنج ثم يكون من بعده الصرع، وذلك لأنه إذا استحكم التشنّج كان الصرع، فإذا اندفع السبب المؤذي أو تحلل الريح عادت الأفعال الحسّية والحركيّة، وربما ظهر الخلط المندفع معاينة في المنخر وفي الحلق. وكثيراً ما يكون الصرع بلا تشنّج محسوس، وذلك لأنّ المادة الفاعلة له تكون رقيقة وتفعل بالامتلاء لا بالرداءة الشديدة.
والصرع يصيب الصبيان كثيراً بسبب رطوباتهم، فربما ظهر بهم أول ما يولدون، وقد يكون بعد الترعرع، فإن أصيب في تدبيرهم زال وإلا بقي، ويجب أن يجتهد أن يزال عنهم ذلك قبل الإنبات. وأبعد الصبيان من ذلك من يعرض له في ناحية رأسه قروح وأورام، ويكون سائل المنخرين. وللدماغ رطوبة في أصل الخلقة من حقها أن تنبثق، فربما تنبثق في الرحم، وربما انبثقت بعد الولادة، فإن لم تنبثق لم يكن بد من صرع. وأكثر الصرع الذي يصيب الصبيان، فإنه قد يخفّ علاجه ويزول بالبلوغ إذا لم يعنه سوء التدبير وترك العلاج. والصرع قد يصيب الشبان، فإنّ كثر بعد خمس وعشرين سنة لعلّة في الدماغ، وخاصة في جوهره، كان لازماً، ولا يفارق ويكون غاية فعل العلاج فيهم تخفيف من عاديته وأبطأ بنوائبه. وقد قال بقراط: إن الصرع يبقى بهم إلى أن يموتوا، وأما المشايخ، فقلما يصيبهم الصرع السددي، وقد يعين الأسباب المحركة للصرع أسباب من خارج، مثل التغذي في المطعم والمشرب والتخم، ومثل التعرّض الكثير لشمس، مما يجذب من المواد إلى الرأس، وذلك لما يمنع من انتشار المواد في جهتي البدن، فيحركها إلى فوق. والجماع الكثير من أسبابه، ومن أسبابه التنغم والسكون وقلة الرياضة، ومن أسبابه الرياضة على الامتلاء كما تتحرك لها الأخلاط إلى تحلّل غير تام، وتملأ التجاويف، ومن أسبابه ما يضعف القلب من خوف، أو وقع هدة وصيحة بغتة. ومن أسبابه الصوم لصاحب المعدة الضعيفة وشرب الشراب الصرف أيضاً لما يؤذي المعدة، وهذه أسباب بعيدة توجب الأسباب القريبة. ونحن نجعل لهذه الأسباب باباً مفرداً، وقيل: إن المصروع إذا لبس مسلاخ عنز كما سلخ، وشرع في الماء صرع، وكذلك إذا دخن بقرن الماعز والمر والحاشا، وكثيراً ما ينحل الصرع بحميات يقاسيها صاحبه، وخصوصاً ما طال، والربع خاصة لشدة طوله ولإنضاجه المادة السوداوية حتى ينحلّ والنافض القوي، فإن النفض يزعج ما تلحج بالدماغ من الفضول، والعرق الذي يتبع النافض ينفضه. وكما أن السكتة تنحلّ إلى فالج، فكذلك كثير من الصرع ينحل إلى فالج، وقد زعم بعضهم أن البلغمي يصحبه ارتعاش واضطراب، لأن البلغم لا يبلغ من كثافته أن يسد المجاري سداً تاماً وأما السوداوي، فقد يسد سداً تاماً، فيعرض منه قلة الاضطراب وزعم بعضهم أن الذي يكثر معه الاضطراب، فبالحري أن يكون سببه الخلط الأقل