القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٩٤ - فصل في الصَرَع
بالكيفية، إما بالإجماد، وإمّا بالإحراق، وإما بالسمية ورداءة الجوهر، وإما أن ترتفع إليه كيفية ساذجة فقط، وإمّا أن يرتفع إليه ما يؤذي من الوجهين. وأما العضو الذي يرتفع منه إلى الدماغ بخارات تصرع بكثرتها، فهو، إما جميع البدن، وإما المعدة، وإما الطحال، وإما المراق. ويقع ذلك أيضاً في سائر الأعضاء.
وأما المؤذي ببخار رديء الجوهر والكيفية، فهو في جميع البدن أيضاً، حتى إصبع الرجل واليد، ويكون سبب ذلك احتباس دم أو خلط في منفذ قد عرضت له سدة، فتنقطع عنه الحرارة الغريزية فيموت فيه، ويعفن، ويستحيل إلى كيفية رديئة، وينبعث منه على الأدوار، أولًا على الأدوار مادة بخارية، أو كيفية سمّية، أو يكون وقع عليها بعض السموم، فأثرت في العصب كما يؤثّر لسع العقرب على العصب، فتندفع سميته بوساطة العصب إلى الدماغ، فيؤذّيه، فينقبض منه ويتشنّج وتضطرب حركاته، كما يصيب المعدة عند تناول ما له لذع على الخلاء، مثل الفواق، وعند كون فم المعدة قوي الحس.
والفواق نوع من التشنّج، وإذا عرض للدماغ من مثل هذا السبب تشنج وانقباض، فإنه حينئذ يتبعه انقباض جميع العصب وتشنجه. وحكى جالينوس عن نفسه أنه كان يصيبه الفواق عند تناوله الفلافلي، ثم الشرب للشراب بعلى لتأذّي فم المعدة بالحدّة. وقد شاهدنا قريباً من ذلك لغيره، وقد حكى جالينوس وغيره، وشاهدنا نحن أيضاً بعده أنّ كثيراً ما كان يحس المصروع بشيء يرتفع من إبهام رجله لريح باردة، ويأخذ نحو دماغه فإذا وصل إلى قلبه ودماغه صرع. قال جالينوس: وكان إذا ربط ساقه برباط قوي قبل النوبة امتنع ذلك، أو خف. وقد شاهدنا نحن من هذا الباب أموراً عجيبة، وقد كُوي بعضهم على إبهامه، وبعضهم على إصبع آخر، كان البخار من جهته فبرأ. ومن هذا الباب، الصرع الذي يعرض بسبب الديدان، أو حب القرع، وضرب من الصرع مركّب بالغشي يكاد الأطباء يخرجونه من باب الصرع، وهو فيه، وضرب منه ومن قبيله يسمى اختناق الرحم، وهو أن المرأة إذا عرض لها أن احتبس طمثها لا في وقته فاحتقن، أو احتبس منيها لترك الجماع، استحال ذلك في رحمها إلى كيفية سمّية، وكان له حركات وتبخيرات، إما بأدوار، وإما لا بأدوار، فيعرض أن يرتفع بخارها إلى القلب والدماغ فتصرع المرأة، وكذلك قد يتفق للرجل أن يجتمع في أوعية المنيّ منه كثير ويتراكم ويبرد ويستحيل إلى كيفية سمية، فيصيبه مثل ذلك.
كذلك يتفق للمرأة صرع في الحمل، فإذا وضعت واستفرغت المادة الرديئة الطمثية زال ذلك. وقد حكى لنا صرع يبتدئ من الفقار، وصرع يبتدئ من الكتف وغير ذلك، وأما أن يكون من المعدة، ومن المراق وبسبب تخم تورث سدداً في العروق، فلا تقبل الغذاء المحمود، ويفسد فيها الخلط، أو يبقى فيها الغذاء المحمود مختنقاً للسدد، فيفسد، وكثيراً ما يتراجع إلى المعدة فاسداً، فيفسد الغذاء الجديد المحمود الكيموس، وكثيراً ما يعرض بسبب ذلك القيء