تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥١ - قوله عز اسمه سورة الواقعة(٥٦) الآيات ٣٢ الى ٣٣
الإختيار و المشيّة هذه المقدار لأزيد عليه. و أمّا التكوين و التحصيل فمن فوقها.
و أمّا وصف فاكهتهم بالكثرة و عدم الانقطاع المقابل له- تقابل العدم و الملكة- المستلزم لاستمرار [٥٣] الامتدادي الزماني و عدم المنع المقابل له هذا التقابل- دون فاكهة المقرّبين- فلأنّ عالمهم عالم الصورة و المقدار، و عالم المقرّبين عالم الوحدة و الجمعيّة و عالم المعاني المجرّدة و الجواهر المرتفعة عن الكثرة العدديّة، الخارجة عن الامتداد و اللّاامتداد، و الاستمرار و اللااستمرار، المبرّئة عن الانقطاع و اللاانقطاع، لتجرّدهم عن الزمان و المكان، و تقدّسهم عن التجدّد و الحدثان، مع أنّ في ذلك العالم يوجد جميع ما يوجد في عالم المقادير من صور الأنواع الكثيرة، إلّا أنّها فيه على وجه أعلى و أتمّ و أحسن و أحكم.
و هذا ممّا حقّقه و قرّره بعض الحكماء الراسخين و الأولياء الشامخين من المتقدّمين، المقتبسين نور الحكمة من مشكوة الوحي و النبّوة، في كتابه المعروف بمعرفة الربوبيّة [٥٤] حيث قال:
«إنّ العالم الحسيّ كلّه مثال و صنم العالم العقلي، فإن كان هذا العالم حيّا فبالحريّ أن يكون ذلك حيّا، و إن كان هذا العالم تامّا كاملا فبالحريّ أن يكون ذلك العالم أتمّ تماما و أكمل كمالا لأنّه هو المفيض على هذا العالم الحيوة و القوّة و الكمال و الدوام. فإن كان العالم الأعلى تماما في غاية التمام فلا محالة إن هناك الأشياء كلّها- إلّا أنّها فيه بنوع أعلى و أشرف- فثمّ سماء ذات حياة، و فيها كواكب مثل هذه الكواكب التي في هذه السماء، غير أنّها أنور و أكمل، و ليس بينها
[٥٣] الظاهر: للاستمرار.
[٥٤] أثولوجيا: الميمر الثامن.