تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٧ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ١٠ الى ١٣
فقد ظهر أنّ اللّه تعالى لسابق قضائه الأزلي نظّم ترتيب العالم الاخرويّ على وفق نظامه للعالم الدنيوي، فكما أنّ بعض الناس بحسب الحالة الدنياويّة سعيد و بعضهم شقيّ، فهكذا في الآخرة بعضهم سعداء أخيار و بعضهم أشقياء أشرار. كلّ ذلك يدلّ على علمه بوجه النظام الأوفق و قدرته على إيجاد كلّ مرتبة من الوجود و إعطائه لكلّ شخص ما هو له أليق.
و كما أنّ السعادة قسمان: دنيويّة و اخرويّة. و الدنيويّة قسمان: داخليّة- كالصحّة و السلامة- و خارجيّة- كترتّب أسباب المعاش و حصول ما يحتاج إليه من المال و الجاه-.
و الاخرويّة أيضا قسمان: علميّة- كالمعارف و الحقائق- و عمليّة- كالطاعات و الخيرات-.
فكذلك يتعدّد أقسام الشقاوة بإزائها، لكنّ السعادة و الشقاوة بحسب العلم و الجهل ذاتيّتان أزلا و أبدا، مخلّدتان دائما و سرمدا: و أمّا بحسب الأعمال الحسنة و السيّئة فيترتّب عليها المجازاة و المكافات، و يتقدر بحسبها المثوبات و العقوبات، كقوله تعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [٩/ ٨٢] فلا يكون أصحاب هذه الشقاوة مخلّدة إلّا ما شاء اللّه، و يتركّب بعضها مع بعض و يتفرّد، إلّا أن أكثر السيّئات و أكبرها يتبع الجهل المركب، و أغلب الحسنات و أعظمها يتبع العلم.
و لهذا قد وقعت أوّلا الإشارة إلى قسمة الخلق بالسعادة و الشقاوة اللتين بحسب العلم و الجهل- المعبّر عنهما بالتّذكر و التجنّب- إلى من يخشى بسبب تذكّره الأمور الآخرة، و إلى من لا يخشى بجهله و غفلته عنها، و بيّنت و خامة عاقبة الموصوف بشقاوة الجهل بأشدّ وجه حيث عبّر عنه بصيغة التفضيل،