تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٧١ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ٤ الى ٥
فإن قال قائل: لم لا يجوز أن يكون المؤثّر في خلق الحيوان و توليد النبات شيء من طبائع الأفلاك و الكواكب بحسب الأوضاع و الأنوار، لا الفاعل المختار؟
قلنا: هذا مستحيل عند العقل، لأنّ المني الذي يتولّد منه الحيوان و البذر الذي يتكون منه النبات جسم متشابه في نفسه و بحسب وضعه عند الفلك و قبوله لنور الكواكب، لكونه مع سائر أجزاء الأرض و المركّبات التي فيها و عليها كنقطة واحدة بالقياس إلى الجرم الأثيري البسيط المتشابه طبعا و تأثيرا. فالجسم البسيط المتشابه إذا أثر في جسم متشابه الذات متشابه النسبة الوضعيّة و الاستعداديّة تأثيرا متشابها فيستحيل أن يتولّد و يتكون منه أحوال مختلفة و أعضاء متباينة في الصورة و الكيفيّة.
ألا ترى إذا وضع أحد شمعا مضيئا، و كان ما يستضاء منه [٥] خمسة أذرع من جانب، وجب أن يضيء بهذا المقدار من سائر الجوانب؟ و أمّا أن يضيء من أحد الجوانب خمسة أذرع و لا يضيء من الجانب الآخر إلا نصف ذراع- من غير حاجز و لا مانع و لا اختلاف في الجسم الذي حوله بالشفيف و عدمه و اللطافة و الكثافة- فهو غير معقول.
فثبت إنّ مؤثّرات الطبائع الجسمانيّة يجب أن تكون تأثيراتها متشابهة، فلمّا رأينا أن تولّدت من بعض أجزاء النطفة العظام، و من بعض أجزائها أعصاب و عضلات و عروق و رباطات، و رأينا أن تكوّنت من بعض أجزاء
[٥] و كان ما يضيء- نسخة.