تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٤ - قوله جل اسمه سورة الطارق(٨٦) آية ٥
- و هي أيضا- علّة الصورة لا بهذا المعنى، بل بمعنى آخر.
فالإنسان صورته نفسه الناطقة، و مادّته حاصلة من الطين اللازب، ثمّ من المني المركّب من العناصر الحاصل منه الأخلاط الأربعة، و من لطافتها و دخانيّتها الأرواح البخاريّة، و من كثافتها و رماديّتها الأعضاء. و يتوسّط بينهما الأعصاب و العروق و الاوردة و الشرائين و العضلات، و مجموعها البدن، و هو المادّة القريبة للإنسان المأخوذ منها جنسه، و فصله مأخوذ من النفس التي صورته، و فاعله الملك المتصرّف فيه بأمر اللّه بامداد ملائكة اخرى موكّلة على السموات و الأرضين، كما أشار إليه بقوله: عَلَيْها حافِظٌ.
و غايته عبادة اللّه و طاعته كما أشار إليه بقوله: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [٥١/ ٥٦].
فلذلك أمره و وصّاه بالنظر في أسباب مهيّته و وجوده في نشأته الاولى، ليعلم و يستدلّ بها على قدرته تعالى على النشأة الثانية كما نبّه عليه قوله تعالى:
وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ [٥٦/ ٦٢] اي: حال نشأتكم الثانية و النظر في ترتيب امور معلومة للتأدّي إلى مجهول، فمادّته خلقة الإنسان و صورته من حيث هو صورته من هذه النشأة. و أمّا فاعله و غايته فلهما النشأة الاخرى.
و المادّة أقدم في الزمان، فقدّمت معرفتها و سبيل النظر إليها و الاستدلال بها على غيرها، فقال: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ أتى بالماء الاستفهاميّة المستعملة لطلب تمام حقيقة الشيء أو شرح ماهيّته، و مرتبتها بأوّل الوجهين بعد «هل البسيطة» الطالبة للتصديق بوجوده و بالثاني قبلها، إذ ما لم نعلم شرح اسم الشيء لا نطلب معرفة وجوده فأجاب بقوله جلّ اسمه: