تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٥ - الإشراق السادس
فمن عرف اللّه انمحقت عنه الهموم و الدواعي، سواء كانت من باب الدرهم و الدينار، أو من باب الجنّة و النار، أو من باب البحث و التكرار و الصيت و الاشتهار، و اضمحلّت عنه الشهوة و الغضب و قهر تشويشهما. فغلبة المعرفة باللّه مبدأ كلّ حبّ و طلب، فلا داعي له سوى اللّه جلب منفعة أو دفع مضرّة، فلو القي في النار لم يحسّ بها، و لو عرض عليه نعيم الجنّة لم يلتفت إليها، فكيف إلى هذه اللذات المخدجة.
و لهذا
قال أمير المؤمنين عليه السّلام: ما عبدتك خوفا من نارك، و لا طمعا في جنّتك، بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك.
و قال بعض العرفاء: إن أدخلني اللّه الجنّة بمرادي فويل لي، و إن أدخلني النار بمراده فنعم الحبس.
و قال أبو سليمان الداراني: إنّ للّه عبادا ليس يشغلهم عن اللّه خوف النار و رجاء الجنّة، فكيف تشغلهم الدنيا عن اللّه؟
و قال بعض إخوان المعروف الكرخي له: أخبر أيّ شيء أهاجك إلى العبادة و التفرّد عن الخلق؟ فسكت.
فقال: ذكر الموت؟ فقال له: و أيّ شيء الموت؟
فقال: ذكر القبر و البرزخ؟ فقال: أيّ شيء من هذا؟
فقال: خوف النار و رجاء الجنّة؟ فقال: و أيّ شيء من هذا- فقال إنّ ملكا بيده هذه كلّها إن أحببته أنساك جميع ذلك. و إن كانت بينه و بينك معرفة كفاك جميع هذا [٧].
[٧] راجع الأقوال المنقولة في احياء علوم الدين ٤/ ٣١٠ و ٣١١. و قوت القلوب: ٢/ ٥٦ و ٥٧.