تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٦ - إشراق معلم الحكمة و مفيضها
كلّ وجه عن القوّة و الاستعداد و ملابسة الأجسام و الموادّ، كما أنّ الباري جلّ مجده مبرء من جميع الوجوه عن الإمكان و ملابسة الماهيّات، لأنّه محض وجوب بلا إمكان و وجود بلا ماهيّة، فالمنذر و المعلّم هو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و اللّه الهادي لمن يشاء، الفيّاض على قلوب عباده بصور الأشياء كما يدلّ عليه قوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [٢/ ٢٧٢].
و توضيح ذلك إنّ الحكمة إن فسّرناها بالعلم لم يكن من العلوم الضروريّة، لأنّها حاصلة للبهائم و عامّة الناس و المجانين و الأطفال، و هي لا توصف بأنّها حكماء، فهي لا محالة مفسّرة إمّا بالعلوم النظريّة مطلقا، أو بصفة تكون مبدأ الأفعال الحسنة نظرا إلى قسميها، فإنّ الغاية في أحد قسميها نفس تلك العلوم، و في الآخر تحصيل الخلق الجيّد و الملكة الملكية، و على أيّ التقديرين فيلزم أن تكون صورة العلوم النظريّة و منشأ الأفعال الحسنة حادثة [١٨] في نفس الإنسان، واردة عليه من خارج، فيكون حصولها في نفسه بتأثير مؤثر خارج عن ذاته، إذ الشيء لا يتأثّر عن نفسه، و أيضا: لا يكون الشيء أشرف من ذاته و أعلم منها.
فذلك المؤثر الخارجي يجب أن يكون عليما حكيما عاقلا بالفعل لا بالقوّة، و إلّا لافتقر أيضا إلى ما يخرجه من القوّة إلى الفعل و من النقص إلى الكمال، و هكذا حتّى يلزم وجود العقل الفعّال المبدأ للاستكمال دفعا للدور و التسلسل، و المبدأ الفعّال للكلّ هو الذات الإلهيّة البريئة عن شوب الإمكان و الزوال بالكليّة.
فقد ثبت أنّ الحكمة نور فائض من الحقّ الأوّل على قلب من يشاء من
[١٨] عادما- نسخة.