تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٧ - إشراق آخر فائدة البعثة
على سبيل الإجمال، فإنّ الغرض الأصلي من بعثة الرسول و تلاوة الآيات على العقول سياقتهم إلى رضوان ربّهم و هدايتهم إلى جواره الأطهر و ملكوته الأنور. و هي إنّما ينوط بشيئين:
أحدهما: إصلاح الجزء العملي من الإنسان بالتصفية و التهذيب، و ثانيهما:
تكميل جزئه العلمي بالتصوير و التقريب.
فالقرآن المنزل على سرّ النبي صلّى اللّه عليه و آله أوّلا، و على قلوب امّته ثانيا- يجب أن يكون مشتملا على امور ثلاثة:
الأوّل: في الحكمة العمليّة المبيّنة للأفعال و الأعمال، الشارحة للأخلاق و الآداب، المفيدة للعبد قطع تعلّقه عن الأسباب و ترك التفاته إلى الدنيا و ما فيها، و رفع الغشاوات و الحجب عن وجه قلبه بالكليّة. و هذه الأحكام [٩] العمليّة و المعالم الأدبيّة تثبت في القرآن على أبلغ وجه و آكده، كما أشار إليه
صلّى اللّه عليه و آله بقوله: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي» [١٠].
الثاني: في الحكمة العلمية و المعارف التي يبلغ إليه عقول العلماء و الحكماء بقوّتهم الفكريّة بتعليم الأنبياء و الأولياء عليهم السلام إيّاهم.
و هذان القسمان من العلوم و المعارف التي يقع فيه الاشتراك لساير الكتب السماويّة مع القرآن، لكن يكون ما في القرآن أوثقها برهانا و أجلّها شأنا، و أرفعها رتبة، و أعلاها مأخذا، و أقومها غاية، و إليه الإشارة بقوله: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [١٧/ ٩] و بقوله: وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [٤/ ٢٦] و قوله: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ [٥/ ٤٦].
[٩] الاعمال- نسخة.
[١٠] مجمع البيان: ج ٥ ص ٣٣٣. الجامع الصغير: ج ١ ص ١٤.