تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٧ - قوله عز اسمه سورة الواقعة(٥٦) الآيات ٦٨ الى ٧٠
منها قطرة و لا تتصل واحدة بأخرى و لا تزاحمها في الطريق، بل ينزل كلّ منها في الطريق الذي رسم لها، لا تعدل عنه يمنة و يسرة، و لا يتقدّم المتأخّر و لا يتأخّر المتقدّم حتّى تصيب الأرض التي عيّنت لها، و لكلّ حيوان فيها من طير و وحش و بهيمة و دود مكتوب على تلك القطرة بخطّ إلهيّ لا يدرك بهذه العين الظاهرة «إنّها رزق الدود الفلاني، في الوقت الفلاني، تصل إليه وقت حاجته و عطشه».
هذا و غير ذلك من الحكم التي أنشأها اللّه تعالى في الماء و إنزاله من السحاب في وجوه مختلفة و على هيآت متعدّدة- مثل البرد و الثلج و الصقيع و غيرها، مع انعقاد البرد الصلب من الماء اللطيف، و تناثر الثلوج كالقطن المندوف من تأثير محرّك قويّ ندّاف، مع أنّه لا يشاهده العين لغاية لطافته و شفيفه- ممّا لا يحصى عجائبه- كلّ ذلك فضل من الجبّار القاهر و الخلّاق القادر، ما لأحد من الخلائق فيه شرك و مدخل، بل ليس للمؤمنين من خلقه و لا الملائكة المسبّحين إلّا الاستكانة و الخضوع تحت جلاله، و لا للعميان [٤٩] الجاحدين إلّا الجهل بكيفيّة خلقه و أمره في شيء، و رجم الظنّ بذكر سببه و علّته [٥٠].
فيقول الجاهل المغرور القاصر النظر: إنّما ينزل الماء من السحاب لأنّه ثقيل بالطبع، و طبيعته سبب نزوله، و يظنّ أنّ هذا معرفة انكشفت له و يفرح بها.
و لو قيل له: ما معنى الطبع؟ و ما الذي أجبر طبع الماء حتّى رقى إلى
[٤٩] تحت جماله و لا للعاصين- نسخة.
[٥٠] فاعله و علته- نسخة.