تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٠ - قوله عز اسمه سورة الواقعة(٥٦) آية ٦٢
و تذكّرهما يستلزم تعقّل الاخرى و تذكّرها. فإنّ الدنيا عبارة عن حالتك القريبة قبل الموت، و الآخرة عن حالتك البعيدة بعد هذه الحيوة فكلّ منها مقيسة إلى الاخرى و مضافه إليها.
و كما أنّ للإنسان أطوارا متفاوتة في الدنيا- بعضها فوق بعض- كذلك له مواطن و أطوار متفاوتة في الآخرة بعضها صوريّة و بعضها معنويّة، يسافر [٣٠] في مواطن الآخرة و يتوارد عليه الأمثال و يتعاقب له الأحوال، مثل العرض و الحساب و الميزان و الكتاب و الصراط و الأعراف و الجنّة و النار.
و يحتمل أن يكون المراد: إنك يا إنسان لمّا علّمتك نشأتك الدنياويّة و حالتك الدنيّة الاولى التي قد وقع لك فيها الانتقالات من رتبة إلى رتبة فوقها، فكنت أوّلا جمادا، ثمّ نباتا، ثمّ حيوانا، ثمّ بشرا سويّا سميعا بصيرا متفكّرا، و لم تنتقل من رتبة من هذه المراتب إلّا و قد خلع عنك صورة خسيسة و أعراض ناقصة، و البست ما هو أجود [٣١] منها و أشرف-.
فكذلك ينبغي لك و يجب عليك أن لا تتوانى من استعمال القوّة العاقلة التي هي آخر ما حصل لك في هذه النشأة في تذكّر امور الآخرة و أنّ الغايات كانت بإزاء البدايات و معرفة من الابتداء و إليه الرجوع للكلّ.
فلا ترقي درجة من درجات العلوم و المعارف إلّا و تخلع عن نفسك أخلاقا و عادات و أعمالا كنت معتادا بها منذ الصبى من غير بصيرة و لا رويّة، حتّى يمكنك أن تفارق هذه الصورة البشريّة و تلبس لباس الأخيار و تتصوّر بصور الملائكة [٣٢]، و يمكنك الصعود إلى المنازل العالية و الترقّي إلى المراتب الجنانيّة
[٣٠] ليسافر- نسخة.
[٣١] أتم وجودا- نسخة.
[٣٢] بالصورة الملكية- نسخة.