تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٧ - قوله عز اسمه سورة الواقعة(٥٦) الآيات ٢٨ الى ٣١
طبع أكثر الناس، و كذا الكلام في العسل و اللبن و الإستبرق فما سبب إيرادها؟
قلنا: سبب ذلك أمران: أحدها أنّها ممّا خوطب به جماعة عظمت هذه الأمور في أعينهم و يشتهونه غاية الشهوة، و لكلّ إقليم مطاعم و مشارب و ملابس يختصّ بذوقها قوم دون قوم، و لكلّ أحد في الجنّة ما يشتهيه كما قال تعالى:
وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ [٤١/ ٣١].
و ثانيهما: لكلّ شيء يكون في الدنيا فله صورة في الآخرة و كثيرا ما تكون صورته الدنيويّة سمجة كريهة، و صورته الاخرويّة في غاية الحسن و اللطافة. أ و لا ترى أنّ أهل الايمان كثيرا ما يكونون في الدنيا شعثا غبرا مصفّر الوجوه أو سودها، و في الآخرة وجوههم أضوء من الشمس و أنور من القمر؟ أو ما سمعت أنّ خلوق فم الصائم عند الملائكة أطيب من رائحة المسك الأذفر؟
فهكذا قياس ساير هذه الأمور، فيحتمل أن يراد بهذه الألفاظ إمّا غير معانيها المعهودة أو خلاف أفرادها الموجودة- مخالفة نوعيّة، أو بحسب الكمال و النقص.
أمّا السدر: فلا يبعد أن يراد به السدرة المنتهى، و هي الحدّ الذي من تجاوز عنه تجاوز من عالم الصورة إلى عالم المعاني الصرفة، و لذا قيل: إنّها في منتهى الجنّة و آخرها. و قيل في وصفها: إنّها شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر [٤٧] و ورقها كآذان الفيول تنبع من أصلها الأنهار التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه، يسير الراكب في ظلّها سبعين عاما لا يقطعها.
[٤٧] القلال: أعمدة ترفع بها الكروم من الأرض. و يقال: ذهبت الشجرة هجرا اى طودا.