تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٤٣ - حكمة قرآنية
قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ إلى قوله: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ [٤١/ ٣٠- ٣١].
و في الطرف الآخر قوله: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [٢٦/ ٢٢٢].
و كذلك قوله: وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [٤٣/ ٣٦].
و اعلم إنّ هذا المبدأ الداعي للنفوس إلى الخير أو الشرّ هو المسمّى عند الحكماء باسم الملكة، و على لسان الشريعة باسم الملك و الشيطان أحدهما الملهم للخير، و الآخر الملهم للشرّ. و لو لم يكن لتلك الملكات من البقاء و الثبات ما يبقى أبد الآباد لم يكن لخلود أهل الطاعات في النعيم و أهل المعاصي في الجحيم وجه- كما أشرنا إليه- فإنّ منشأ الثواب أو العقاب على وجه الاستيجاب لو كان نفس العمل و القول- و هما زائلان- فكيف يتصوّر بقاء المعلول مع زوال السبب الموجب؟ و كيف يكون الفعل الجسماني الواقع في زمان معين قليل المقدار باعثا للجزاء السرمدي؟ و مثل هذه المجازاة لا يليق بالحكيم و قد قال: وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [٥٠/ ٢٩] و قال: وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [٢/ ٢٢٥].
و لكن إنّما تخلد أهل الجنّة في الجنّة و أهل النار في النار بالثبات و الدوام الحاصلين للأخلاق و الملكات.
.