تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٥ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ١٨ الى ١٩
فقوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ إشارة إلى مرتبة الأنبياء، و هي الدرجة العليا في الايمان و المعرفة، لأنّها حاصلة من جهة نزول المعارف الإلهيّة و فيضان الحقائق الربّانيّة على عقولهم الزكيّة النوريّة التي يكاد يضيء زيت نفوسهم الناطقة لفرط استعدادها نورا عقلانيّا، و لو لم تمسسه نار التعليم البشري، كالكبريت الذي ربما يشتعل بنفسه بأدنى وصول حرارة إليه نارا محرقا تمامه من غير تخلّف مادة رماديّة لا يقبل الناريّة و النور، كذلك حكم نفوس الأنبياء حيث أنّ أبدانهم المكتسبة لها خاصيّة الروح من جهة الإدراك و الصعود إلى عالم الأفلاك و الولوج في عالم الجنان و دار الحيوان مع الأبدان.
و قوله: وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ إلى قوله: وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ إشارة إلى مرتبة الحكماء و العرفاء و العلماء الربّانيّين حيث بلغوا إلى مراتب العلم و العرفان، و وصلوا إلى حقائق الايمان من العلم بأحوال المبدإ و كيفيّة الصنع و الإبداع، و كيفيّة خلقة الملائكة الروحانيّين، و إفاضة العلوم و المعارف الحقّة على الألواح العقليّة المحفوظة عن الفساد، ثمّ على الكتب السماويّة المحروسة عن النسخ و الآفات، ثمّ على قلوب أنبيائه الصالحين المعصومين عن الخطأ بحسب مصالح العباد على وجه كلّي يؤدّي إلى سعادتهم في المعاد، من غير اختلاف لأحد من الرسل و أصحاب الأديان في وصول الحقائق الحاصلة لهم من اللّه سبحانه بقوّة ملكوتيّة، و لخواصّ أمّتهم بقوّة الذكاء و الوجدان و تصفية الباطن بالرياضات العملية [٩] و العبادات القلبيّة، و اتّباعهم للأنبياء- صلوات اللّه عليهم أجمعين- في طريق السلوك إليه تعالى بتكميل ذواتهم بصفة
[٩] العلمية- نسخة.