تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٤ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ١٨ الى ١٩
و تنوّر روحه و تقدّس جوهره و صفاء ذهنه، إمّا بحسب الفطرة كما للأنبياء و الأولياء، أو بحسب الرياضة كما للحكماء و العلماء.
و لهذا قال بعض الحكماء: «من أراد الحكمة الإلهيّة فليستحدث لنفسه فطرة اخرى».
فالأنبياء لغاية نقاء أذهانهم و فرط ذكاء عقولهم أخذوا هذا العلم عن الملائكة الفعّال وحيا و إلهاما بتأييد اللّه- عزّ و جلّ- و أمّا الجمهور من الناس فليس لهم طريق إلى هذه المعرفة إلّا ايمانا و تسليما و تصديقا بما جاء به المخبرون الصادقون عن اللّه تعالى.
و أمّا الذين لا يرضون أن يأخذوا هذا العلم تسليما و تصديقا، بل يريدون طريق الكشف و البرهان، و الوصول إلى الحقائق و استيضاحها بالبصائر [٨] العقليّة- التي نسبتها إلى العقليّات الحقيقيّة المنوّرة بنور الحقّ نسبة البصر إلى الحسيّات الماديّة المستنيرة بنور الشمس- فهم يحتاجون إلى أن يكون لهم نفوس زكيّة و قلوب صافية و آذان واعية و أخلاق طاهرة، و أن يكونوا غير متعصبّين لمذهب دون مذهب في هذه الآراء التي لا تختلف باختلاف الأديان و الملل، كما نبّه عليه قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ* لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [٢/ ٢٨٥- ٢٨٦].
فهذه الآية إشارة إلى هذه المراتب الثلاثة للإنسان في الاعتقاد بالمعارف الإلهيّة.
[٨] بالبصيرة- نسخة.