تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٨١ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ٦ الى ٩
للتذكير لكن ليس الغرض منه أنّ تذكيره صلّى اللّه عليه و آله إيّاهم مشترط بالنفع، بل الرسول مأمور بالوعظ و التذكير مطلقا- سواء نفع أو لم ينفع- كما أنّ الشمس من شأنها الإضائة و التنوير، سواء قبلت الأجسام التي تحاذيها أم لم يقبل.
فنفس النبي صلّى اللّه عليه و آله في إفاضة الأنوار العلميّة على النفوس بمنزلة الشمس في إفاضته الأنوار الحسيّة على الأجسام المختلفة الاستعداد لقبول النور، و نفوس الناس بعضها بمنزلة القمر، و بعضها بمنزلة الأجسام المستنيرة كالمرائي الصقيلة، و بعضها بمنزلة الأجسام المظلمة الكدرة، بل الغرض منه الإشعار بغباوة بعض النفوس و تعصيّهم عن إدراك الحقائق و الإخبار عن غلظة طبائعهم و جمود قرائحهم، و الاستبعاد لتأثير الذكرى فيهم، و التسجيل على قلوبهم بالطبع و الرين، كما تقول للواعظ: «عظ فلانا إن سمع منك الوعظ و قبل النصيحة». قاصدا بهذا الشرط مجرّد الاستبعاد لذلك و أنّه لن يتحقّق، لا غيره.
فظهر من هذه المباحث إنّ اللّه تعالى كما يعلم الكليّات و العقليّات يعلم الجزئيّات و الحسيّات. و كما يعلم الجهريّات النوريّة العقليّة يعلم الخفيّات الظلمانيّة الحسيّة. و كما أنّه واقف بأسرار القلوب و مطلّع على ضمائر العقول كذلك بصير بأعمال العباد، سميع بأقوال خلقه في البلاد.
فسبحان الذي لا يجري شيء في ملكه و ملكوته إلّا بقضائه و قدره، و سبحان من تقدّست ذاته عن أن يغفل عن ما يفعل عباده من خيره و شرّه و نفعه و ضرّه.