تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٠ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ٦ الى ٩
لا يعرف الخلق. فهذا سبيل المرسلين و الصديقين.
فلمّا حصل تمام نفس النبيّ بحسب كمال الجانبين و تمام القوّتين- العمليّة و العلميّة- وجب أن يصير فوق التمام بإفاضة الكمالات على الناقصين، و إشراق الأنوار على وجوه المستعدّين، و ذلك هو دعوة العباد إلى طاعة المبدإ و المعاد، و سياقتهم [١٠] إلى سبيل النجاة من آفة النقص، و الوصول إلى منبع الحيوة- و هي المسمّاة بالرسالة- و ملاكها التذكير و التعليم المشار إليه بقوله: فَذَكِّرْ- و هو أمر، فالنبي صلّى اللّه عليه و آله مأمور من اللّه تعالى بفعل الرسالة، اي تكميل الناقصين على قدر استعدادهم، و تعليمهم على قدر قوّتهم و طاقتهم لدرك العلوم الحقيقيّة.
و أكثر الخلق لا يدرك الحقائق الكليّة و اصول الموجودات إلّا على سبيل التمثيل و التشبيه، و الأنبياء مأمورون بدعوة الخلق و التكلّم معهم على مبلغ [١١] عقولهم،
لقوله: «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم» [١٢].
و عقول أكثر الناس بمنزلة الخيال و الوهم، و لذلك كان تعليمهم الحقائق الايمانيّة على رتبة التمثيلات التي تناسب طبائعهم الغليظة- خصوصا الأعراب و البدويّين- و ربما بلغ بعضهم في الغباوة و البلادة حيث لا ينجع لهم نصح، و لا ينفع فيهم وعظ، و خوطب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأجلهم بقوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [٢٨/ ٥٦] و بقوله تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ [٢٧/ ٨٠].
فقوله سبحانه: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى و إن كان بحسب الظاهر شرطا
[١٠] سياقهم- نسخة.
[١١] قدر- نسخة.
[١٢] الكافي: كتاب العقل و الجهل، ج ١ ص ٢٣.