تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٨ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ١ الى ٣
و ممّا يحكى فيها: إنّ الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، و قد ألهمها اللّه إن مسح العين بورق الرازيانج الغضّ يرد إليها بصرها، فربما كانت في برية بينها و بين الريف مسيرة أيّام، فتطوي تلك المسافة على طولها و على عماها حتّى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج- لا تخطئها- فتحكّ بها عينها و ترجع باصرته بإذن اللّه تعالى.
و هدايات الحقّ و إلهاماته للحيوانات- نواطقها و عجمها و طيورها و بهائمها، و هوامها- إلى ما لا يجد من مصالحها و لا يعدّ من حوائجها في أغذيتها و أدويتها، و في باب أوليها و أخراها و دنياها، باب واسع من معرفة اللّه تعالى لا يحيط به العقول و الأوهام، بل إن لكل جسم طبيعيّ أو فلكيّ مبدأ فاعليّا و جوهرا نفسانيّا و صورة محرّكة طالبة لفعل خاصّ يكون بصدوره منها على كمالها الخاصّ بها محصّلة به، و كونها على أشرف حالها مهتدية [٧] به إلى ما يقرّبها إلى باريها و جاعلها، و متشبّهة في إفاضة الخير و المنفعة على الغير بغايتها و فاعلها- جلّت عظمته و عظمت إلهيّته-.
فايجاده بعلمه و حكمته لكلّ جسم من الأجسام أمرا ملكوتيّا و قوة باطنيّة تكون مقوّم نوعه و حافظ كماله، خدمة لبارئها و طاعة لربّها و عبادة لمعبودها، دليل واضح على علوّ ذاته من الملك و الملكوت، و سمّو درجته عن الخلق و الأمر، و بعد سمكه عن عالم السموات و الأرضين، و ارتفاع حضرته عن جملة الأجسام و الجسمانيّين.
فسبحان ربّي الأعلى من العلّيّين، و أعظم من عوالي القدّيسين [٨] و الكرّوبين.
[٧] مبتدية- نسخة.
[٨] القدوسين- نسخة.