تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٧ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ١ الى ٣
- إذ العام لا وجود له في الخارج- و قد ثبت تساوي نسبته إلى سائر الأجسام فيلزم الترجيح من غير مرجّح، و لأنّه لو كان جسما لامتنع كونه موجدا لجسم، لامتناع تقدّم بعض أفراد طبيعة واحدة على بعض و اولويّته منه- حسبما تقرّر في مقامه-.
و أمّا الثاني فلأنه لو كان أحدهما لزم إمّا اختصاصه بفرد من الجسم، أو افتقاره إليه- و قد نفيناه عنه.
و قد علم أيضا من التسوية تصرّفه في الأجسام كيف يشاء في التركيب و التفصيل، و النضج و التحليل [٦]، فلا يكون جسما و لا يكون جسمانيّا.
و أمّا الاستدلال على ذلك بنفس الحيوان فهو قوله: الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى لأنّ معناه: إنّه سبحانه قدّر لكلّ واحد من أعضاء الحيوان و أجزائه المخصوصة قوّة مختصّة بذلك العضو، مصدرا لأفاعيله، و مبدأ لآثاره و منافعه و مصالحه، مثل القوّة الباصرة للعين، و السامعة للاذن، و الهاضمة للمعدة، و النفسانيّة للدماغ، و الحيوانيّة للقلب، و الطبيعية للكبد، فقدّر لكلّ مزاج حيوانيّ نوعا من القوى، و جعل كلّ مركّب مزاجي آلة لقوة نفسانيّة أو طبيعيّة، و هداها إلى خصائص أفاعيلها و خصوصيّات ما ينفعل منها، و ألهمها و أوحيها إلى ما ينتفع منها.
فانظر إلى النحل كيف أوحى اللّه تعالى إليها في وضع بيوتها على هيئة المسدّسات، و إلى العنكبوت كيف هداها إلى وضع المشبّكات لاقتناص ما يتقوّت به من الذباب و البعوضة.
[٦] و التنقيح و التحليل- نسخة.