تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٦ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ١ الى ٣
في وجوده عن درجة الأجسام الاستدلال عليه بخلق الحيوان الذي هو أشرف ما في العناصر و الأركان بنوعين من البيان حسب تركّب حقيقته من النفس و البدن.
أمّا الاستدلال على علوّ ذاته و سمّو صفاته عن درجة الأجرام بخلقة الحيوان، فهو الذي أشار تعالى إليه بقوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى.
و ذلك: أنّ بدن كلّ حيوان مقدّر بمقدار معيّن و كميّة خاصّة يتعيّن له و يختصّ به، لأجل صدور أفعاله المختصّة و حركاته و انفعالاته الناشئة عن قوّته التحريكيّة و الإحساسيّة، فلا جرم قدر الباري بعنايته المحكمة لكلّ حيوان مقدارا من التجسّم الصالح لصدور أفعاله و آثاره الحيوانيّة، و هذا التقدير هو الخلق، لأنّ الخلق في اللغة هو التقدير.
و أيضا كلّ بدن حيواني مركّب من عناصر و أجزاء بعضها حارّ خفيف و بعضها بارد ثقيل و بعضها رطب لقبول الهيئة و التشكّل و بعضها يابس لحفظ ما افيد من التقويم و التعديل، و يجب أن يكون لكلّ منها قدر معيّن ليقع بينها التصالح و التقاوم، حتّى يتولّد عن كيفيّاتها المتعادلة المتفاوتة [٥] المزاج المخصوص، و لو زادت تلك الأجزاء أو نقصت كان الحادث غير مزاجه الخاصّ به، و هذا هو التسوية.
فعلم من إيجاده قدرا معيّنا من أقدار الجسم لائقا بخلقه نوع من الحيوان، و قدرا معيّنا آخر منها لائقا بخلقه نوع آخر منه تساوي نسبته إلى جميع الأجسام، و كلّ ما يكون كذلك لا يكون جسما و لا جسمانيّا.
أمّا الأوّل فلظهور أنّه لو كان جسما لكان فردا خاصّا منه له مقدار معيّن
[٥] المتقاومة- نسخة.