تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥ - قوله عز اسمه سورة الواقعة(٥٦) الآيات ٢٠ الى ٢١
و اتّصالها بالملإ الأعلى و الحفظة الكرام الكاتبين فكذلك أفعال اللّه تنقسم إلى ثابتات و متغيّرات، مبدعات و كائنات.
فعلم من هذا أنّ اللّه خلق النفس الإنسانيّة ذات اقتدار على إيجاد صور الأشياء في عالمها الخاصّ و مملكتها الغائبة عن هذا العالم بمشيّتها و إرادتها، لأنّها من سنخ الملكوت و عالم القدرة و الجبروت، إلّا أنّ ما تخترعها و تنشأ في عالمها ما دامت تكون في هذا العالم و صحبة الأعدام و القوى و الملكات يكون ضعيفة الوجود شبيهة بالأشباح و الاظلال، فإذا قويت ذاتها و قربت من مبدأها بقطع هذه العلائق الماديّة أصبحت مخترعة للصور الغيبية المناسبة لأخلاقها الحسنة أو السيّئة، إمّا ملذّة أو موذية، و لم يفارق الدنيا عن الآخرة إلّا في كمال الصورة و قوّة وجودها هناك و نقصها و ضعف وجودها هاهنا.
فلو كانت للنفس قدرة تامّة على تصوير الصورة الملذّة في عالم الحسّ- كمالها قدرة على تصويرها في عالم الخيال- لكان نعيمها كنعيم أهل الجنّة حيث تكون شهوتهم سبب تخيّلهم، و تخيّلهم سبب إحساسهم فلا يخطر ببالهم شيء يميلون [٢٥] إليه إلّا و بحضر عندهم دفعة.
و إليه الإشارة
بقوله صلّى اللّه عليه و آله: «إنّ في الجنّة سوقا يباع فيه الصور» [٢٦]
و السوق عبارة عن اللطف الإلهيّ الذي هو منبع القدرة على اختراع الصور بحسب المشيّة و انطباعها و وجودها في العين وجودا ثابتا ما دامت المشيّة، لا وجودا هو بمعرض الزوال كما في منام هذا العالم، و هذه القدرة أكمل
[٢٥] ينالون- نسخة.
[٢٦] سنن الترمذي: صفة الجنة، الباب ١٥ ج ٤ ص ٦٨٦.