تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٥ - تبصرة العوالم الثلاثة و سير الإنسان فيها
في قوله تعالى: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ- الآية [٣/ ١٧٩] و فيه امتياز المجرمين عن المؤمنين كما في قوله تعالى: وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [٣٦/ ٥٩].
فالبرزخ عالم مستقلّ بين عالمي الدنيا و الآخرة المحضة، كالشفق و الفجر بين الليل و النهار، و هو مستقرّ الأنفس و الأرواح المنتقلة عن هذه الدار من بدؤ الزمان إلى حين انقضائه لقيام الساعة الكبرى و القيامة العظمى، و له آيات نشير إليه:
قال اللّه تعالى: وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [٢٣/ ١٠٠] وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا [١٩/ ٦٢] و قال: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا [٤٠/ ٦٢] يعني دار البرزخ.
و نبّه عن الدار الآخرة بقوله: وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [٤٠/ ٤٦] لأنّ فرعون و آله كانوا من أهل الشقاوة العقليّة و الحجاب السرمدي عن رؤية ربّهم، كما أشير إليه في قوله: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [٨٣/ ١٥].
و ذلك لمكنة استعداداتهم و علّو فطرتهم بسبب مزاولتهم العلوم الجدليّة و المحاجاة السفسطيّة.
و ممّا يدلّ على عالم البرزخ أيضا قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ الآيتان [١١/ ١٠٦] يعني- و اللّه أعلم- جنّة البرزخ و جحيمه، لأنّ مدّة الخلود فيهما مقدر بدوام السموات و الأرض، فإذا انقضى حكمها جسما و نفسا بالتبديل الاخروي إلى عالم العقل و الجبروت و موطن الأرواح العقليّة، انقضت مدّة الخلود فيهما، فخلودهما لأمد وجوده بشرط غيره.