تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٤ - تبصرة العوالم الثلاثة و سير الإنسان فيها
و أسرارها مندرجتان في وجوده، مختفيتان تحت حجابه و حجب صفاته و آثاره و الإمدادات متّصلة بهما بواسطته.
فإذا شاء الحقّ تعالى نقل النفس و الروح إلى دار البرزخ أمات الجسم بواسطة ملك الموت و أعوانه، ثمّ ينشأ النفس في البرزخ النشأة النفسانيّة الثانويّة و تكون في عالمها البرزخي، و كانت هي المشهود بحواسّها و مشاعرها، فإنّ للنفس في ذاتها سمعا و بصرا و ذوقا و شمّا و هذه الحواس الدنياويّة ظلال تلك الحواسّ و حجاباتها، أ و لا ترى أنّها تنفتح و تعمل فعلها عند رقود هذه الحواسّ، كما في المنام- و النوم أخ الموت-.
و هي أيضا هناك مباشرة للأحكام و قادرة على الأفعال بنفس تلك الحواسّ، لأنّ مبادي الحواسّ و مبادي الأفاعيل هناك متّحدة، و الإمدادات يومئذ متصّلة بالجسم و الروح بواسطتها و صورتها في البرزخ. على صورة ما غلب عليها من الأعمال و الأخلاق و النيّات.
فقوله تعالى: إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ أي: على رجع النفس و التذكير، بتأويل أنّها عين الإنسان المذكور صريحا، أو المخلوق المذكور ضمنا.
و «اليوم» في قوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ يوم البرزخ، و هو القيامة الوسطى، إذ فيه تختبر سرائر النفس، لأنّه يوم علنت الضمائر النفسيّة و خفيت الظواهر الجسميّة، و فيه
يحشر الناس على صور نيّاتهم- كما ورد في الحديث
- و
ورد أيضا: «يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القردة و الخنازير».
و ذلك لاستيلاء الصفات الشهويّة و الغضبيّة على نفوسهم أكثر ممّا يستولي على نفوس تلك الحيوانات، و فيه يتميّز الخبيث من الطيّب المشار إليه