تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٦ - الأول
و غاياتها، و علم المفارقات و علم النبوّات و علم السماء و العالم و علم الروحانيّات و علم النفس و أحوالها بعد الموت، و علم انبعاث الرسل و كيفيّة الوحي و التنزيل و الكتاب و التأويل، و علم النبوّة و الرسالة، و علم الإمامة و السياسة، كلّها ذكر اللّه و ذكر صفاته و أسمائه و آلائه و نعمائه.
فالحكماء الأفاضل سيّما الأنبياء و الأولياء منهم سلام اللّه عليهم- كلّهم مشتغلون بذكره، مشعوفون بمناجاته و مخاطباته، فهم الذاكرون اللّه كثيرا دون غيرهم، إذ ليس عشق المبدأ الأعلى و معرفة ذاته داخلا في موضوعات علوم غيرهم و صنائعهم، و لا مقوّما لمطلوباتهم- من حيث هي مطلوباتهم و مسائلهم- و لا غاية لأنظارهم و أفكارهم و ثمرة لأفعالهم و أعمالهم القلبيّة إلّا بوجه من التكلّف و التجوّز البعيد و التمحّل الشديد. فأولئك تحرّوا رشدا، دون غيرهم.
فهم أحقّاء بأن يكونوا عباد اللّه الصالحين و أولياء اللّه المتقين، و أنّ الحقّ جليسهم و رفيقهم حسبما
ورد من قوله: «أنا جليس من ذكرني» [٨]
و بأن يكون الحقّ حاضرا عندهم مشاهدا لهم بمقتضى
قوله: «أنا عند المنكسرة قلوبهم، أنا عند المندرسة قبورهم».
إذ لهم قلوب منكسرة و أبدان كقبور مندرسة لتوحّشهم عن الناس و تفرّدهم عن الخلق بالموت الإرادي و تضرّرهم بها للمنافاة و التضادّ بين سلوكهم و سلوك غيرهم، فإنّ الرجل بقدر إمعانه في العلوم الباطنيّة يتوحشّ عن الخلق و يتأذّى عن صحبة أهل الظاهر و على مبلغ عرفانه بالحقّ يتناكر عن الناس.
و لهذا
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو أعرف العرفاء، بالحقّ: «ما اوذي
[٨] مضى الحديث في الصفحة: ٢٦٢