تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٣ - الأول
ضبط حركات الأفلاك و تقاويم الكواكب و استنباط الأحكام من حركاتها و أوضاعها و انتقالاتها و ارتباطاتها، و إلّا لم يكن منجّما بارعا فائقا على الأقران، و كذا الطبيب لو لم يكن مشعوفا بعلمه مستفرغا جهده في طلبه، ثمّ في حفظه و ضبطه قوانين العلاج و معرفة الأدوية المفردة و المركبّة على أبلغ وجه و آكده لم يكن من البارعين في فنّه، و كذا الفقه الحاوي لفروع الفقه، المستحضر لمسائله، المدقّق في وجوه الاستنباطات الدقيقة و تفريع الاحتمالات البعيدة مع جلوسه في مسند الفتوى و الحكومات، لا بدّ له من استغراق القلب و صرف العمر و استيعاب الخاطر و بذل الوسع و الطاقة فيه حتّى يكون فائقا على الأقران، مشارا إليه بالأنملة و البنان، و كذا المحدّث في استعمال أوقاته في علم الرواية [٥]، أعني في سماعه الحديث و جمع الطرق الكثيرة و طلب الأسانيد العالية الغريبة، فهمّته أبدا مصروفة في أن يحصل عنده ما لم يحصل عند كثير من الناس، و لهذا يدور في البلاد و يري الشيوخ ليقول: «أنا أروي عن فلان»، «و لقد لقيت فلانا» «و معي من الأسانيد العالية ما ليس مع غيري».
و كذلك سائر العلوم و الصناعات. إلّا الحكيم الإلهي و العالم الربّاني، فإنّ موضوع علمه و مادّة صناعته هو الموجود المطلق و الإله الحقّ- جلّ مجده- فتمام عمره مشغول بالحقّ و جميع هممه مصروف بالكشف عن توحيده و تقديس صفاته و أحكام أفعاله و معرفة نعوته و أسمائه و آياته، فلا شغل له إلّا ذكر اللّه و ذكر آلائه، و له علمان شريفان نوريّان: علم المبدأ و علم المعاد. و له في الأوّل بابان شريفان: أحدهما أشرف و أنور من الآخر و هو العلم بوجوده و وحدانيته و تقدّس صفاته و أسمائه و سكّان جبروته من المفارقات و الربوبيّات،
[٥] الدراية- نسخة.