تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٦ - الإشراق التاسع في منشأ وجوب هذا التعبد الروحاني
فناجى ربّه بقلبه و روحه، فقال كما
روي عنه: «وجدت لذّة غريبة في ليلتي هذه فاعطني [يا رب] هدى و يسّر عليّ طريقا يوصلني كلّ وقت إلى لذّتي».
فأمره اللّه بالصلاة فقال: «يا محمّد- المصلّي مناج ربّه».
و لا يخفى على المتأمّل العاقل أنّ مناجات اللّه لا تكون بالأعضاء الجسمانيّة و لا بالألسن الحسيّة، لأنّ هذه المكالمة لا تصلح إلّا لمن يحويه مكان، و يعتريه [٣٣] حركة و زمان، أمّا الواحد المقدّس الذي لا يحيط به مكان و لا يحويه زمان و لا يدركه حسّ أحد و لا يشار إليه بجهة من الجهات و لا يختلف حكمه في صفة من الصفات و لا يتغيّر في وقت من الأوقات، فكيف يعاينه الإنسان المشكّل المجسّم المحدود بجسمه و قوله و فعله و حسّه؟! و كيف يناجي في هذا العالم المركّب الخروب من لا يعرف حدود جهاته و لا يرى جناب صفاته، فإن الموجود المطلق عن عالم المثل و المحسوسات، بل المرتفع عن العقول القادسات، غائب عن الحواسّ، غير مشار إليه بالأخماس، و لا يدرك بالألماس، و من عادة الجسم و الجسمي أن لا يناجي و لا يجالس الّا مع من يراه بالبصر و يحسّ بالحسّ، و يدركه بإحدى الخمس، و إذا لم ينظر إليه يعده غائبا و يكون بفقده عن المشاعر خائبا، فمن كان خارجا عن هذا الباب، مقدّسا عن طرفي هذا النفي و الإثبات جميعا ٢٩، و عن المداخلة و المزايلة رفيعا، فمناجاته بإحدى الظواهر و الآلات أمحل المحالات، و أفحش الخرافات و الموهومات.
فإذن
قوله: «المصلّي مناج ربّه»
محمول على عرفان النفوس العرافة العلّامة المجردة عن جهات الجسم و المكان و حوادث الحركة و الزمان، فهم يشاهدون الحقّ مشاهدة عقليّة، و يبصرون الإله بصيرة نوريّة، و يسمعون كلامه سماعا روحانيّا.
[٣٣] و يقترن به- نسخة.