تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٤ - الإشراق الثامن
و أعني بالإخلاص أن يعبد اللّه بلا مشاركة أحد، و أن يعلم ذاته و صفاته بوجه لا يبقى للكثرة فيه مشرعا و للإضافة مترعا ٢٨، و من فعل هذا فقد أخلص و صلّى، و ما ضلّ و ما غوى، و من لم يفعل هكذا فقد افترى و عصى و اللّه تعالى أجلّ من ذلك و أعلى.
ثمّ إنّك لمّا قرع سمعك مرارا أنّ موجودات العالم الطبيعي و النشأة الدنيويّة مثنويّة، و حقيقة الإنسان من جملتها لها ظاهر جلي و باطن خفيّ، و لها صورة مشهورة و حقيقة مستورة، فهو منقسم إلى ظاهر متغيّر و باطن ثابت هو قلبه و سرّه، فالصلوة التي هي أشرف أعماله منقسمة إلى ظاهر خلقي- و هو الرياضي المتعلّق بالظاهر- و باطن أمري- و هو الحقيقي الملتزم به الباطن-.
و الأوّل يجري مجرى السياسات للأبدان و الرياضات للقوى و الأدوات الصوريّة، به ينوط نظام الجمعيّة التمدنيّة و قوام الشريعة المصلحيّة لإصلاح الخلق بحسب حالهم على وجه يؤدي إلى كمالهم و إصلاح بالهم لسلامة مآلهم، و كلتاهما واجبتان عقلا و شرعا.
فالاولى كلّف به الشارع بالغا عاقلا ليتشبّه بدنه بما يختصّ به روحه من التضرّع و الخشوع إلى الجنبة العالية ليفارق البهائم بهذه الهيئة الشرعيّة، فإنّ البهائم متروكة عن الخطاب مسلمة عن العذاب [٣١] فأمّا الإنسان فإنّه مخاطب و محاسب، مثاب و معاقب، إذ يجب عليه امتثال الأوامر الشرعيّة و العقليّة و الاجتناب عن المناهي الشرعيّة و العقليّة. فلمّا رأى الشارع الحكيم أنّ العقل المنوّر بنور معرفة اللّه أكرم عند اللّه ألزم النفس بالصلاة الحقيقيّة
[٣١] الحساب- نسخة.