تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٨ - الإشراق الخامس في لمية وجوب الصلوة مطلقا
درجة العرفان، فلا جرم سوّى لهم رياضة بدنيّة و سياسة تكليفيّة تخالف أهوائهم الطبيعيّة، و حافظ لهم الصورة الإنسانيّة، و راعى فيهم حكاية النسك العقليّة. فمهّد لهم قاعدة في الأذكار و الأوراد، و ألزمهم ترك النسيان بتكرير الأعداد، و هي [في الوجوب] [٢٥] أعمّ و في الحسّ أعظم، لترتبط بظواهر الإنسان و يمنعهم عن التشبّه بسائر أفراد الحيوان.
و أقر بهذا الهيكل الظاهر على كلّ بالغ عاقل
فقال [صلّى اللّه عليه و آله]: «صلّوا كما رأيتموني اصلّي»
[٢٦] و لو قال: «صلّوا كصلاتي» فمن الذي صلّى مثل صلاته؟ لأنّه كان يصلّي و بصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، و كان في صلاته يرى من خلفه.
فقد ظهر إنّ في صلاة القالب مصلحة كثيرة لا يخفى على اللبيب العاقل، و لا يقرّ به لسان الجاهل العاذل.
و هذا المعنى من الصلوة قد كانت واجبة على الأمم السابقة على أعداد أكثر من أعداد صلواتنا لعموم جدواها، و كانوا مكلّفين بأعمال جسمانيّة كثيرة المشقّة لغلبة الجسمانيّة عليهم و قلّة آثار الملكوتيّين فيهم، و شريعتنا المحمديّة- على الصادع بها و آله أفضل الصلوة و التحيّة- أقلّ تكلّفا و أكثر فائدة لصفاء القوابل و لطافة القلوب و رقّة الحجاب في امّته صلّى اللّه عليه و آله، و لذلك
قال صلّى اللّه عليه و آله: «بعثت بالشريعة السهلة السمحاء» [٢٧].
[٢٥] الاضافة من ج ١ ص ٢٧٧.
[٢٦] البخاري: باب ما جاء في اجازة خبر الواحد .. ج ٩ ص ١٠٧.
[٢٧]
في المسند ج ٥ ص ٢٦٦: «بعثت بالحنيفية السمحة».