تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢١ - الإشراق الخامس التوحيد الأفعالي
أم أنثى أسويّ أم معوج؟ فيقول اللّه ما شاء، و يخلق الملك [١٣].
و في لفظ آخر: يصوّر الملك فيها الروح بالسعادة و الشقاوة [١٤].
و قال بعض السلف: إنّ الملك الذي يقال له الروح هو الذي يولج الأرواح في الأجسام، و إنّه يتنفّس بوصفه فيكون كلّ نفس من أنفاسه روحا يلج في جسم، و لذلك سمّي روحا.
و ما ذكره في مثل هذا الملك و صفته فهو حقّ يشاهده أصحاب القلوب ببصائرهم، و هذا بعينه كحال المتكلّم بالكلام الحكمي حيث أنّ كلّ نفس من أنفاسه يفيد معنى عقليّا يلج في تشكّل كلامه، و كذلك ذكر اللّه في القرآن الآيات الدالّات على وجوده و وحدانيّته، مثل قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [٣/ ١٩٠].
و مثل قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ [٤١/ ٥٣] فنسب الدلالة على وجود ذاته و الشهادة على وحدانيته إلى الموجودات الآفاقيّة و الأنفسيّة ثمّ قال: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [٤١/ ٥٣] و قال أيضا: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [٣/ ١٨] فبيّن أنّه الدليل على نفسه.
و ليس ذلك بمتناقض بل طرق المعرفة مختلفة: بعضها من جهة الحكمة و الترتيب في النظام، و بعضها من جهة التوحيد و أحديّة الجمع، فكم من سالك عرف ذاته بوسيلة النظر إلى الموجودات، و كم من طالب عرف بالنظر إليه
[١٣] جاء ما يقرب منه في مسلم: كتاب القدر ج ١٦/ ١٩٤.
[١٤] راجع الكافي: كتاب العقيقة، باب بدا خلق الإنسان .. ج ٦ ص ١٣.