تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٩ - الإشراق الخامس التوحيد الأفعالي
وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
فللإشارة إلى هذه المراتب المقتضية لقبض الأرواح و جذب النفوس إلى اللّه تعالى وقعت نسبة التوفّي تارة إلى اللّه تعالى، و تارة إلى الملك الروحاني و إلى ملائكة هي دونه في الرتبة، و تارة إلى رسل اللّه، و تارة إلى النفس، تارة إلى الطبيعة المسخّرة- كما في هذه الآية- تنبيها على اختلاف هذه النشآت و تعدّد العوالم و تفاوت الدرجات للإنسان.
لكن يجب على الناظر المتأمّل أن يعلم ممّا أكثرنا ذكره و كرّرنا إثباته في توضيح أسرار بعض الآيات أنّ كلّ فعل إذا نسب إلى الباري القيّوم يكون بالحقيقة لا بالمجاز ٢٢، و إن نسب إلى ما سواه يكون بالمجاز، و ذلك لأنّ الأسباب مستهلكة الذوات و المهيّات عند مسبّبها، فإذا سمعت مثل قوله تعالى:
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها فاحمله على الحقيقة في التوفّي، و إذا سمعت مثل قوله: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ فاحمله على المجاز.
فالكامل في العرفان من كان في حدقة عرفانه نوران: نور التوحيد، و نور الحكمة. و لا يطفي أحدهما نور الآخر، فبأحد النورين ينظر إلى توحيده تعالى، و بالنور الآخر ينظر إلى حكمته في ترتيب الأسباب للمسبّبات، و يرى كثرة صور الأعيان التي هي مظاهر الأسماء في وحدة وجوده و فيض جوده.
و أكثر الناس ممّن يشغلهم شأن عن شأن، فمنهم من راعى جانب التوحيد في الأفعال، فاهمل رعاية الحكمة و الترتيب كالأشاعرة المنكرين للقول بالعلّة و المعلول و ترتيب الأسباب- أولم يتدبّروا في خلق السموات و الأرض و ما بينهما من عجائب الحكمة و بدائع الفطرة، و قد قال سبحانه:
وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ [٤٤/ ٣٨] و قال تعالى: