تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٨ - الإشراق الخامس التوحيد الأفعالي
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً [٨٩/ ٢٨] و تارة لم ينسب إلى فاعل معيّن و قابض معلوم كما في هذه الآية. و نحن قد ذكرنا في تفسير سورة يس ما يستفاد منه وجه في تعدّد هذه النسبة و تكثّر المبادئ في هذا الفعل، فليراجع إليه من أراد ذلك [١٢]، و لكن لا نسكت هاهنا عن ذكر شيء يسير من المقال يشير إلى لميّة الحال.
فنقول: إنّ بين الذات الأحديّة الإلهيّة و بين كلّ موجود طبيعي امور متوسّطة هي أسباب تحقّقه و وسائط تكوينه، و منها ما هي أسباب جذب الأرواح و النفوس من أسفل سافلين، كما أنّها بعينها أسباب وجودها و ورودها من أعلى علّيين.
فأوّلها اسم اللّه «القابض» في العالم الإلهي، ثمّ الملك المقرّب الذي يجذب الأرواح في عالم القدس، ثمّ نفوس رسل اللّه و هم الدعاة إلى اللّه، ثمّ النفوس المطمئنّة الراجعة إلى ربّها راضية مرضيّة في عالم النفوس، ثمّ الطبيعة الانطباعيّة في عالم الطبائع، و إن كان لكلّ إنسان قوّة محرّكة جاذبة للجسم الغذائي الترابي إلى درجة الطبيعة النباتيّة، و له قوّة اخرى حيوانيّة فاعلة للحسّ و الحركة الإراديّة تجذب لطائف الأخلاط ٢٠ إلى أفق الأرواح البخاريّة، و له قوّة نطقيّة فوق القوة الحيوانية تجذبها إلى مرتبة النفس النطقية، و فوقها قوّة نبويّة ٢١ تدعو النفس النطقيّة جاذبة إلى عالم الملكوت الغيبيّة، و فوقها قوّة جبرئيليّة ترافقها و تصعد بها إلى عالم الربوبيّة. و اللّه سبحانه بقوّتها التي تمسك السموات و الأرض أن تزولا فوق الكلّ وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً و يقبض الكلّ باسمه «القابض»
[١٢] تفسير سورة يس ص ١٦٠.