تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١١ - الإشراق الثالث في حكمة الموت
قلنا: لأنّه لا يصلح لها العلم بهذه المعاني، إذ لو علمت لفارقت أجسادها قبل أن تتمّ و تكمل، أو تهاونت في تدبيرها كما ينبغي، فأدّت الأجساد إلى الفساد قبل استعدادها للمعاد و هذا ممّا يبطل حكمة الإيجاد.
و أيضا: إذا فارقت النفوس الأجساد قبل ذلك بقيت فارغة معطّلة بلا شغل و عمل و لا معطّل في الوجود. و الحكمة تقتضي أن لا يكون شيء من الموجودات مهملا معطّلا، كما أنّ الباري- جلّ ذكره- لم يخل أبدا من تدبير و صنعة حتّى يكون فارغا بلا تدبير و إفاضة، بل كلّ يوم هو في شأن.
فظهر أنّ الموت لا بدّ و أن يلاقيه الإنسان من جهة القضيّة الربّانيّة مع كونه مكروها تفرّ و تنفّر منه النفوس بحسب ما هو مركوز في غرائزها من جهة التدبير الإلهي، و لذلك سلّط عليها دواعي هي أسباب دوامها الدنياوي، و هي بعينها أسباب عطبها و هلاك هياكلها و شقاوة نفوسها. و هذا من عجائب حكمة اللّه في هذا العالم حيث يكون سبب البقاء بعينه سبب الهلاك و الشقاوة، و تلك الأسباب و الدواعي المسلّطة هي مثل الجوع و العطش و الشهوات المختلفة و الأشواق و اللذات الزائلة.
أمّا قصد الباري في تكوين الجوع و العطش و تسليطهما على النفوس ليدعوها إلى الأكل و الشرب ليخلف [٤] على أبدانها من الكيموسات الصالحة بدلا عمّا يتحلّل منها ساعة فساعة، ليبقى بها الشخص و النوع، إذا كانت أجسامها دائما في التحلّل و الذوبان و السيلان.
و أمّا الشهوات المستولية فلأن يدعوها إلى الأغذية الجيّدة و المأكولات المختلفة الموافقة لأمزجة أبدانها و ما يحتاج إليه طباعها مدّة الكون.
[٤] ليختلف- نسخة.