تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٨ - الإشراق الثاني لا ينفع الفرار من الموت
لاعتيادكم [٢] بصحبة أهل الدنيا و أبنائها و شهواتها و نسائها و مالها و أسبابها و بنائها فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ أي إنّكم و إن فررتم من الموت أو القتل بتقوية المزاج و أكل الأغذية الجيّدة و المشروبات المقوية، و التداوي بالأدوية و الترياقات لدفع السموم و الآفات، و تحصيل الوقايات من الأسلحة الدافعة و الدروع الواقية و اتّخاذ الأبنية و الحصن الرفيعة و القلاع العالية الحصينة و البروج المشيدة الحارسة عن العدوّ- إلى غير ذلك من التدابير البشريّة و الحيل الآدميّة لمدافعة الموت- فإنّه لا ينفعكم عند حلول الأجل المعلوم عند اللّه، و لا بدّ أن ينزل بكم الموت و يلاقيكم و يدرككم، و لا ينفعكم الهرب منه أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [٤/ ٧٨].
و إنّما قال بالفاء و حرف التأكيد و الجملة الاسميّة مبالغة في الدلالة على أنّه لا ينفع الفرار منه، فسواء فرّوا منه أو لم يفرّوا منه فإنّه ملاقيهم، بل ربما كان نفس الفرار من أسباب الموت كما يشاهد في بعض مواضع الاحترازات و الاستعلاجات الطبيّة و النجومية، حيث يصير بعينه سببا من أسباب الوقوع فيما وقع الفرار منه. فإذا كان الفرار كالسبب في ملاقات ما يفرّ منه فلا معنى للتعرّض للفرار لأنّه لا يباعدهم على أيّ وجه.
و إلى هذا المعنى
أشار أمير المؤمنين عليه السلام: «كلّ امرئ لاق ما يفرّ منه و الأجل مساق النفس و الهرب منه موافاته» [٣].
و قال زهير:
و من هبا أسباب المنايا ينلنه
و لو نال أسباب السماء بسلّم