تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٨ - الإشراق الثاني في النظم
مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم أنّكم أولياء اللّه و أحبّائه، فإنّ الموت من أسباب الوصلة إليه تعالى.
ثمّ أخبر عن حالهم و كذب مقالهم و فساد زعمهم و قبح سيرتهم و دغل سريرتهم و سوء شكيمتهم و اضطراب رأيهم و تزلزل دعويهم و وخامة عاقبتهم و آخرتهم و أنّهم غير واقفين بما يقولون، إذ ليس بنائه على أصل صحيح و برهان متين، بل على مجرّد ظنّ فاسد و تخمين و اغترار بما يستحسنه أهل الظاهر، فقال: وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر و المعاصي.
معناه و لا يتمنّونه الموت لما اكتسبت نفوسهم من ملكة محبة الدنيا و لذاتها و شهواتها و ملكة الانجذاب إلى دواعيها و أغراضها، فصارت نفوسهم و مقيدة بها، محبوسة فيها لتكرّر الأفاعيل البدنية الشهويّة و الغضبيّة و تكثّر الأعمال الحيوانيّة البهيميّة و السبعيّة، الموجبة للركون إلى نعيم الدنيا و زهرتها و الإخلاد إلى أرض- الشهوات و الاستغراق في بحر اللذات.
و منشأ هذه الأعمال و الأفعال كلّها هو الفساد في الاعتقاد و الشكّ في بقاء النفس في المعاد و رجوعها إلى الواحد القهّار، فصار هذه الأخلاق الرديّة و الملكات الدنيّة الحاصلة من تكرّر الالتفاتات إلى عالم الخلق، و تكثّر الإعراض و الاستيحاش عن عالم الحقّ و ملكوته الأعلى، و إنكار وجود المفارقات و نفي ثبوت الملائكة العقليات، مسامير مؤكّدة و أوتاد مستحكمة في النفس بحيث لا فرق عندهم بين ترك البدن و نزع الروح عن الدنيا و بين ترك اللذات للذات و نزع الروح عن الروح، لأنّ نفوسهم صارت كأنّها عين البدن.
و لهذا لا يمكنهم تصوّر بقاء النفس من دون استعمالها للحواسّ و اشتغالها