تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦ - قوله عز اسمه سورة الواقعة(٥٦) الآيات ١ الى ٢
غاية كمال النفس الإنسانيّة، لأنّه عبارة عن نور من أنوار اللّه يقذف في قلب من يشاء من عباده، و هذا النور يطفي نار جهنّم، فكيف تتنّور به نفوس الكفّار و المنافقين؟
و ما ورد من الآيات في باب ايمانهم عند نزول العذاب فبعضها محمولة على ظهور الشقاوة عليهم يومئذ، و مشاهدتهم آثار السيّئات و نتائج الكفر و العناد، و تبعات المعاصي و الفسوق و أضداد ما كانوا يحتسبون، كما في قوله تعالى: وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [٣٩/ ٤٧] و بعضها ممّا لا يفهم منه أزيد من اعترافهم باللسان و دعويهم الايمان، كما في قوله تعالى:
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [٤٠/ ٨٤] و ربّما كانوا كاذبين في هذه الدعوى يومئذ، كما كذّبوا في قولهم للرسول صلّى اللّه عليه و آله- كما قال اللّه تعالى حكاية عنهم حيث قال-: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [٦٣/ ١]. لا أنّهم يصيرون بعد الموت عرفاء باللّه و آياته موحّدين، و إلّا فكيف يعذّبهم اللّه عذابا أبديّا؟
إذ البراهين العقليّة و السمعيّة ناهضة على خروج أهل التوحيد عن النار، فالقول بأنّ كلّ نفس يوم القيامة غير كاذبة في محلّ المنع.
نعم منشأ الكذب و الغلط و مبدأ الشر و الوبال لا يكون إلّا في هذا العالم الذي هو منبع الشرور و العاهات، و معدن النقايص و الآفات- كما بيّن في مقامه- و النفس الشقيّة الكذوبة لا تكتسب مادّة الكذب و البهتان و الكفر و العصيان و منشأ التعذيب بالنيران إلّا بواسطة كونها مدّة في هذا العالم و لأجل تعلّقها بالأبدان، فهي حمالة حطب نيرانها من هاهنا، و الآخرة دار العدل و الحساب و القضاء بمؤدّى الشهود و الكتاب لا ظُلْمَ الْيَوْمَ.