تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٧ - سورة الجمعة مدنية و آياتها احدى عشرة
أوّل تكوّنهم، و هم بمنزلة الملائكة الأرضيّين، و الخامس النفوس المنتكسة الرؤوس فطرة- كالحيوانات- أو اكتسابا و تعمّلا كنفوس الأشرار من الفسقة و الكفّار، و هي بمنزلة الشياطين المطرودة عن عالم الرحمة و الرضوان إلى عالم النقمة و الخسران.
فللنفوس الإنسانيّة في أوّل فطرتها و مبدأ نشاتها القوّة و الاستعداد لأن تخرج إمّا إلى الملكيّة أو إلى الشيطانية أو إلى البهيميّة أو إلى السبعيّة. ففيها قوّة امور أربعة: أحدها خير و سعادة، و الثلاثة الأخيرة شرّ و شقاوة و خسران و وبال. و إنّما تخرج إمّا إلى ذاك و إمّا إلى هذه بسبب أعمال و إدراكات متكّررة حتّى تصير ثمرتها صورة لذاته يتجوهر بها ذاته بحيث يمتنع زوالها.
فالأعمال و العلوم- على فنونها و شعبها- إمّا مقرّبات من الحقّ الأوّل و ملكوته الأعلى، و أسباب الارتقاء إليه، و المنزلة في أوج ملكوته الأعلى من حضيض البشريّة السفلى الدنيا، كما أشير إليه في قوله [تعالى]: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [٣٥/ ١٠] و إمّا مبعدات منه و أسباب الطرد عن جنابه و البعد عن عالم الإلهيّة و الوقوف في الهاوية السفلى و المرحلة الدنيا و معدن البوار و الدثور و موطن أصحاب القبور لقوله [تعالى]: وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [٢٥/ ٢٣].
و لمّا كان الحال على هذا المنوال بعث الحقّ بمقتضى عنايته الأزلية على عباده لطفا جديدا غير ما فطرهم اللّه عليها في الفطرة الاولى، و أمدّهم بإحسانه مددا ثانويّا بعد ما أنشأهم اللّه في النشأة الدنيا، فنصب شريعة علميّة و عمليّة، و أرسل رسولا هاديا لهم إلى طريق الخير و رادعا عن طريق الشرّ، و أنزل كتابا جامعا إلهيّا يهدي إلى الرشد، و صحيفة ملكوتيّة فيها خزانة أسرار