أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٩٨٨ - ف ٣ ـ في تخيير المجتهد في العمل بأحد المتعارضين عند عدم وجود المرجّح
وأمّا القياسان المتعارضان ، فلمّا اشترطنا في حجّيّة القياس التنصيص على العلّة أو التنبيه عليها ، وحكم الأصل لا بدّ له من دليل ، فما دليل العلّة فيه قطعي أولى من غيره ، وكذا ما حكم أصله قطعي أرجح من غيره ، ولو ارتفع القطع وصار القياسان ظنّيين فالتعارض فيهما قريب من التعارض في الخبرين ؛ لرجوع النزاع إلى النصّ في العلّة والدليل المثبت لحكم الأصل ، فيرجّح أحدهما ببعض الوجوه المتقدّمة.
وقد ذكر العامّة أنّ أحد القياسين المتعارضين يرجّح على الآخر بوجوه [١] :
الأوّل : بحسب أصله ؛ فيقدّم ما هو أصله قطعي على ما هو ظنّي ، وفي الظنّي يقدّم ما هو دليله أقوى ، وما لم ينسخ باتّفاق على ما اختلف في كونه منسوخا ، وما قام دليل خاصّ على تعليله وجواز القياس عليه على غيره ، وما على سنن القياس باتّفاق على ما اختلف في كونه على سننه.
الثاني : بحسب علّته ؛ فيقدّم العلّة القطعيّة على الظنّيّة ، والباعثة على الأمارة ، والوصف الحقيقي على الاعتباري ، والثبوتيّ على العدمي ، والعلّة المنضبطة على المضطربة ، والظاهرة على الخفيّة ، والمتّحدة على المتعدّدة ، والمتعدّية في فروع أكثر على المتعدّية في الأقلّ ؛ لكثرة الفائدة ، والمطّردة على المنقوصة ، والمنعكسة على غير المنعكسة ، والمطّردة غير المنعكسة على المنعكسة غير المطّردة ، والجامعة المانعة للحكمة على ما ليس كذلك ، والمنقوصة التي كان موجب التخلّف فيها قويّا على التي كان موجب التخلّف فيها ضعيفا ، والعلّة التي لا مزاحم لها في الأصل ـ أي لا يكون معارضة ـ على التي تكون معارضة ، والمعارضة الراجحة على المزاحم على المعارضة المرجوحة عنه ، والعلّة المقتضية للنفي على المقتضية للثبوت ؛ لتأييدها بالنفي الأصلي ـ وقيل بالعكس [٢] ؛ لأنّ المثبتة تفيد حكما شرعيّا ـ والعامّة لجميع المكلّفين على الخاصّة ببعضهم ؛ لكثرة الفائدة.
الثالث : بحسب دليل العلّة ؛ فيقدّم ما دليل علّيّتها قطعي على ما دليل علّيّتها ظنّي ، وما
[١] راجع الإحكام في أصول الأحكام ٤ : ٢٨٤ ـ ٢٩١.
[٢] قاله الشوكاني ونقل عن إمام الحرمين ( الجويني ) نسبته إلى جمهور الفقهاء في إرشاد الفحول ٢ : ٢٧١.